الإثنين , 20 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

إن في ذلك لآية..بقلم: د. رشاد محمد البيومي

سبحانك ربي حين قلت في كتابك الكريم: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ (الأنعام: من الآية 65).

وفي قولك المحكم: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ (يونس: من الآية 24).

آيات الله تُتلى وما من متذكر أو متفكر، عشتُ مع تلك الآيات وأنا أستمع مع العالم أجمع إلى أخبار السحابة البركانية وما أحدثته وخلفته من آثار.

لقد تعطلت 17000 رحلة طيران أوروبي في يوم واحد، بإجمالي 63000 رحلة في 4 أيام، وكانت خسارة اليوم الواحد 200 مليون دولار أمريكي.

يا للهول.. كيف هذا؟ وأين تلك الأمم المتجبرة التي نسيت ربها، وتصورت في نشوة أوهامها أنها قادرة على كل شيء، فإذا بِوحدة من قوى الطبيعة تدحض تلك الأوهام وتكذب تلك التخيلات.

وهل يمكن أن تعود تلك القوى المتغطرسة عن غيها لتعلم أن الله هو القادر على كل شيء، وأنه بيده ملكوت كل أمر.. هيهات!!

فقد وقفت أوروبا بقضها وقضيضها عاجزةً تمامًا عن مواجهة رسالة من أحد جنود ربك الطبيعية؛ لتحد من غضبتها وفورانها.. ومنذ أيام ضرب زلزال شمال غرب الصين، وكان ضحيته ما يقرب من 3000 قتيل غير المشردين والمصابين، وقبلها وبعدها تلك الأعاصير الجارفة التي تضرب شواطئ المحيطات بلا هوادة تدمر كل شيء بأمر ربها، والتسونامي الذي تكرر بخاصة في المحيط الهندي، ومن العجيب أن يكون مصدر البركان هو أيسلندا (شمال أوروبا)؛ حيث الثلوج التي تغطي كل شيء، ينطلق هذا المارد العملاق بعد أكثر من 200 عام من ثوراته؛ حيث كان آخر ثورة له في عام 1821م.

وما لا قد لا يعلمه الكثير أن الصدع الذي يشق المحيطات وبعض القارات يمتد حتى يصل أيسلندا شمالاً.. وتعتبر هذه المناطق (مناطق الصدع) أو ما يسمى (الأخدود المحيطي) أو حزام الزلازل (Oceanic ridges)؛ هي جبال عالية تمتد في قيعان المحيطات، ترتفع إلى كيلومترات، ويمتد في وسطها وبطولها أخدود عميق يمتد إلى أسفل حتى يصل إلى طبقة الوشاح (mantle) المنصهرة، والتي تتركز فيها الأنشطة الأرضية.

وهنا نتساءل كيف يثور البركان؟

وكيف تحدث الزلازل؟

وكيف تدمر التسونامي الأخضر واليابس؟

لا بد من عودة بإعطاء فكرة مبسطة عن تركيب وتتابع الطبقات الأرضية.

فالجزء العلوي الذي يسمى القشرة (crust) يبلغ سمكها في اليابسة 60 كم أما في قاع المحيط فيقل السمك ليصل من 20- 30 كم.

يلي القشرة ما يسمى بالوشاح (mantle)، وهو مقسم إلى جزء علوي ومتوسط وسفلي والعلوي منصهر، ثم يلي ذلك ما يسمى المركز (core).

وتنقسم القشرة أفقيًّا إلى عدد من القطع تسمى الألواح (Plates) تعوم فوق الوشاح العلوي (المنصهر نتيجة تركيز المواد المشعة التي تنطلق منها حرارة كافية لصهر مكوناته).

ويكون تحرك تلك الألواح تبعًا لنظرية تكتونية الألواح (Plate tectonic) تقاربًا (Convergence) وتتصادم مكونة للجبال (الهمالايا) أو تباعدًا (Divergence) لتكوين البحار والمحيطات (البحر الأحمر) أو تتحرك متوازية (strip fault خليج كلورادو).

وهكذا نرى الأرض بجبالها وبحارها في حركة دائبة مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88)﴾ (النمل).

وتعالوا نتعرف كيف ومتى يحدث البركان..

تتناغم وحدات الأرض وتراكيبها تناغمًا منضبطًا بضوابط ربانية فهي في حالة توازن واستقرار ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)﴾ (القمر)، فإذا اختل التوازن في أية جزء أو مكان (وفي بعض الأحيان يكون الإخلال من فعل الإنسان) تحاول الأرض أن تعود إلى توازنها فتنطلق منها طاقات مكبوتة تصاحب الحركة التي أدت إلى اختلال التوازن إما في شكل بركان أو زلزال أو إعصار.. إلخ.

وفي قاع المحيطات يتواصل النشاط البركاني ملقيًا بالحمم واللافا من خلال ذلك الأخدود الكبير، ويسيل الصهير على الجانبين، مكونًا طبقة من القشرة المحيطة التي تزيح سابقتها في التكوين لتستمر حركة اللوح المحيطي في اتجاه القارة؛ حتى إذا تصادمتا انخسفت القشرة المحيطية تحت القشرة القارية (وذلك لأنها تتمير بكثافة نوعية أعلى) وأعظم مثل لهذا هو جبال الأنديز في أمريكا الجنوبية وجبال الهمالايا في القارة الهندية.

أما إذا تقابلت مع قشرة محيطة فالأكبر سرعة في التحرك هي التي يتم انخسافها تحت الأخرى.

وفي حالة المحيطات فإن الركام البركاني والغازات المصاحبة له تلتقي الماء فيقلل من سرعتها ويعمل على ترسيبها على قاع المحيط مشاركةً في تكوين الجزر البركانية (هاواي- هايتي).

أما إذا حدث الخلل في القشرة القارية فتحدث تشققات رأسية في القشرة، وتنطلق الغازات من تحت الضغط العالي حاملة معها بعضًا من الركام الصخري، وينتشر في الجو ومؤذنًا بتدفق الصهير، ولنا أن نتخيل درجة الحرارة التي أدت إلى صهر الصخور (بما يزيد عن 1300ْ درجة) فتأكل الأخضر واليابس.

وقد يكون التعبير عن خلل التوازن، ومحاولة التخلص من الإجهاد الناتج عن حركة الألواح في شكل زلازل، تتفاوت قوتها تبعًا لعمق مركز انطلاق الزلزال.

أما التسونامي فيكون نتيجة انخساف القشرة المحيطة تحت القارية أو المحيطية، كما ذكرت آنفًا، ولذا يقل حجم الوعاء الذي يشغله الماء، وينتج عن ذلك أن ترتفع المياه وتزداد الأمواج عنفًا وتسبب خسائر هائلة في الأرواح والأملاك.

وأخيرًا نتساءل: هل يمكن التنبؤ بتلك الظواهر الربانية المُذْكِّرة بعظمة الخالق؟

الواقع العلمي يشهد بأنه لا سبيل لدقة التوقع ولا قدرة لمواجهة تلك الظواهر، وإن كانت هناك بعض المحاولات التي لم تصل إلى درجة التمكن من تحديد وقت حدوث تلك الكوارث بالدقة المطلوبة.

والعجيب أن بعض الحيوانات (عند رصد سلوكياتها) كانت أكثر قدرة من الإنسان بالتنبؤ وتلافي آثار تلك الكوارث.

وقد كنا نعرف أن هناك سيلاً قادمًا عندما نشاهد الماعز والجمال وهي تركض متسلقة الجبال بسرعة هائلة، ولا يلبث السيل أن يتقدم محطمًا كل شيء ومدمرًا لكل ما يعترضه (كان ذلك في صحراء مصر الشرقية)…. ولله في خلقه شئون.

————-

* أستاذ الجيولوجيا- كلية العلوم جامعة القاهرة، ونائب المرشد العام للإخوان المسلمين