الجمعة , 17 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

فهمي هويدي يكتب: “أبناء الطوارئ”

لست أشك في أنهم أعضاء مخلصون لمبادئ الحزب الوطني، أولئك النفر من أعضاء مجلس الشعب الذين دعوا إلي إطلاق الرصاص الحي علي المتظاهرين واتهموهم بأنهم عملاء وخونة، ودعوا إلي تمديد الطوارئ إلي مائة سنة مقبلة. وما يؤخذ عليهم أنهم كانوا صريحين أكثر من اللازم. ومن ثم فمن وجهة نظر الحزب فإن الخطأ «التنظيمي» الذي ارتكبوه ليس أنهم قالوا هذا الكلام، ولكن أنهم أفشوا أسرار الحزب وأعلنوها أمام الملأ.

لا يخطر علي بالي أن تكون هناك تعليمات مكتوبة بهذا المعنى، لكنني لا أشك أيضًا في أن ثمة توافقًا مزمنًا عليها، يشهد بذلك سلوك الحزب ذاته، الذي يتعامل بازدراء شديد مع المعارضين الحقيقيين، ولا يتردد في إقصائهم واستئصالهم. في مرحلة سابقة كان التوافق مستقرا علي أن المؤسسات المدنية للدولة تحقق المهمة الأولى. أما الأجهزة الأمنية فهي تقوم بالثانية. وتقليديا فإن دور الأجهزة الأمنية في الاستئصال كان يتم طول الوقت محتميا بقانون الطوارئ، ومؤيدا بالمحاكم العسكرية.

ولم تكن جهود الإقصاء تتم بعيدا عنها. وإنما بتعاون وإرشاد من جانبها، بمعني أن عملية الإقصاء كانت تتم بناء علي معلومات تقدمها الأجهزة الأمنية، في ضوئها تقوم المؤسسات المدنية بـ«الواجب» إزاءها. كان الهدف واحدا والأساليب متباينة، وهو «تطهير» أجهزة الدولة ومؤسسات المجتمع من المعارضين، لكي يصبح البلد خالصا لصالح الحزب الوطني.

في السنوات الأخيرة حدث تطور مهم يتلخص في أن المؤسسات المدنية نشطت بصورة ملحوظة في عملية التطهير، وأن بعض مسئوليها بدأوا يتحدثون صراحة عن أنه لا مكان ولا مستقبل في خرائط وصدارات البلد لغير أعضاء الحزب الوطني. لقد احتفلت كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بمرور 50 عاما علي تأسيسها، وكرمت رموز الكلية الذين برزوا خلال تلك الفترة. لكن أصابع التطهير استبعدت اثنين من أهم الأساتذة الذين تخرجوا فيها لأنهم من المعارضين السياسيين.

وفي واقعة أخرى، تم استبعاد أحد الأساتذة المستقلين والمعارضين الذين حل عليهم الدور لإدارة أحد المراكز البحثية بالجامعة، وحين ذهب إلي مديرها يسأله تفسيرا لما حدث معه، كان المدير صريحا وأفهمه أنه استبعد لأنه ليس من أعضاء الحزب الوطني. وحين يحدث ذلك في مؤسسة أكاديمية لها تقاليدها العريقة في الاستقلال عن الأهواء السياسية، فلك أن تتصور الحاصل في مؤسسات الدولة الأخرى، سواء المستقلة شكلا عن السلطة التنفيذية أو تلك التابعة بها.

إن طول العهد بتطبيق قانون الطوارئ أقنع أجيالا من العاملين في الأجهزة الأمنية بأنهم فوق القانون العادي، وأن أيديهم مطلقة في التعامل مع الناس، خصوصا المعارضين السياسيين. ولدي تلك الأجيال اقتناع بأن مجرد وجود أولئك المعارضين خطأ يتعين علاجه بكل السبل. وهذه الحالة استشرت بمضي الوقت، في ظل التلاحم المتزايد بين الأجهزة الأمنية والمؤسسات المدنية والحزب الوطني، من ثم فإن ثقافة الطوارئ الإقصائية والاستئصالية أفرزت لنا أجيالاً أخرى من الموظفين الرسميين يمكن أن نسميهم «أبناء الطوارئ» الذين يعتبرون أن الوطن ملك لهم وأنهم في غنى عن غيرهم.

الذين يعتبرونهم مصدر إزعاج مستمر لهم، خصوصًا حين بدأ بعضهم في الخروج إلي الشارع والتعبير عن معاناتهم وسخطهم. ولأنهم يريدون أن يواصلوا نهب البلد والاستمتاع بخيراته في هدوء. فقد أصبحوا يضيقون ذرعا بأصواتهم فضلا عن وجودهم. ولم يجد بعضهم مفرا من أن يفصح عن مكنون نفسه وحقيقة موقفه، فأعلنوا خلال مناقشة حامية أن هؤلاء الساخطين ليسوا سوي خونة وعملاء، وأن إطلاق الرصاص عليهم حل يحقق الاستئصال المنشود، بعدما لم تنجح الوسائل الأخرى في تحقيق المراد وإراحتهم من إزعاجات تلك الشرذمة من العباد.
——————————
نقلاً عن الشروق

24/04/2010