الجمعة , 24 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

في جحيم الواقع المُرّ .. د. جابر قميحة

كنا نتعلم ونحن صغار أن مصر هبة النيل ، أي أن النيل هو الذي أوجد وطنا اسمه ” مصر ” . ولا ينسى واحد منا أغنية محمد عبد الوهاب ” النيل نجاشي ” ، ولا ما نظمه شعراؤنا في النيل .
وإذا كان النيل هو سر حياتنا فكان يجب أن نعطي دول النيل من العناية والتواصل معها بصفة دائمة ، ولكن مما يؤسف له أن الرئيس مبارك قام بعشرات الرحلات إلى أوربا ، ودول الكتلة الشرقية ، ولم يحاول أن يزور دولة من دول النيل إلا مرة واحدة . فلا عجب أن تصاب مصر بالفشل الذريع في مؤتمر شرم الشيخ . وفي هذا السياق نسوق بعض الكلمات التى كتبها الأستاذ فاروق جويدة في أهرام الجمعة ( 22 ابريل 2010 ) .
” دار صراع رهيب في مؤتمر وزراء حوض النيل حتي أن آخر اجتماعات المؤتمر تجاوزت مدته‏20‏ ساعة . واتسعت في هذا المؤتمر مساحة الخلاف بين دول المصب ودول المنبع ، وكان اجتماعا فاشلا بكل المقاييس في أوراقه ونتائجه‏..‏ وعاد وزراء الري الأفارقة وقد حققوا انتصارا ساحقا في شرم الشيخ علي مصر والسودان دولتي المصب‏..‏ كنت أتصور أن يبقي هذا المؤتمر منعقدا ، وأن تمارس مؤسسات الدولة المصرية بكل ثقلها السياسي والاقتصادي كل ما تستطيع من الضغوط لتقريب وجهات النظر ، وألا ينتهي هذا المؤتمر بهذه النتائج المؤسفة علي أرض مصرية‏..‏ كيف تدار شئون دولة بهذا الاستخفاف كانت خسارتنا في مؤتمر شرم الشيخ أكبر دليل علي غياب الحكومة بكل مؤسساتها‏.. ” . أهرام الجمعة ( 22 ابريل 2010 ) .
**********
وكان رد الفعل على هذا الفشل الذريع هو التفكير في غزو دول المنبع ، وهي في نظري ” فكرة كارثية ” قد تجر على مصر الخراب الأبدي :
لأن هذا الغزو يتطلب استخدام مئات الألوف من المشاة ، غير سلاح الطيران وسلاح البحرية وغيرها ، وعلى هذه القوات أن تقاتل في الجبال والأحراش ، أي مناطق لم تخضها ، ولم تخض شبيها لها من قبل .
ولأن مصر لم تستفد من حرب الضياع التى خضناها في اليمن ، واستشهد فيها زهرات شبابنا .
ولأن الداعين للحرب لم يفكروا أبعد من أنوفهم ، ولم يسائلوا أنفسهم ما موقفنا إذا أعانت إسرائيل قوات هذه البلاد ، أو استغلت فرصة انشغال قواتنا بدول حوض النيل واقتحمت أرض سيناء واستردتها ؟
وما موقفنا إذا تمادت إسرائيل وضربت السد العالي بالصواريخ كما هدد بعض ساستهم من قبل ، وخصوصا أن إسرائيل تتبنى فكرة إنشاء سدود جديدة على النيل لصالح دول المنبع ؟ . والخلاصة أن التفكير في استعمال الغزو يعد تفكيرا بدائيا ساذجا بكل المقاييس ؛ لأنه سيقودنا إلى الخراب.
وكتب الأستاذ فهمي هويدي مقالا طويلا في هذه المأساة ، نقتطف منه السطور الآتية :

حتى تأخذ المصارحة مداها، يتعين علينا في النهاية أن نسجل عدة أمور أحسبها ضرورية لانتقال مصر من موقف المتفرج الى اللاعب في ساحة حوض النيل، هذه الأمور هي:
1ــ ان الفشل النسبي للمفاوضات مع دول الحوض وثيق الصلة بتراجع الدور المصري وغياب استراتيجية واضحة للتعامل مع العالم الخارجي، فالعلاقة مع دول حوض النيل مثلا، لا تنفصل عن العلاقة مع دول منطقة القرن الأفريقي، بل مع محيط دول الاتحاد الأفريقي.
2ــ ان مصر لم تتصرف حتى الآن باعتبارها جزءا من أفريقيا، وأعطت انطباعا بأنها ضيف عليها ومضطر اليها. وذلك وضع يحتاج الى تصحيح بحيث تنضم الهوية الأفريقية الى مفردات الهوية الأخرى للاقليم، المصرية والعربية والاسلامية والمتوسطية.. الخ.
3ــ حين نتحدث عن دور العوامل أو الدسائس الخارجية التي باعدت بين مصر وبين دول الحوض، فينبغي ألا يمنعنا ذلك من تفهم مشاعر الأفارقة ازاء مصر. ذلك أن منهم من يلمس استعلاء مصريا غير مبرر في التعامل معهم.. ومنهم من لا يستطيع أن يتحلل من مشاعر الاستياء والحساسية حين يجدون أن مياه النهر تمر على بلدانهم التي تعاني التخلف والفقر والمرض، لتصل الى حياضنا لنزرع بها ونروي.

لأن التحدي كبير، فالجهد المطلوب أيضا كبير، وهو ما يتطلب قرارا سياسيا على أعلى مستوى، يستصحب عزيمة صادقة ونفسا طويلا.
وتلك مشكلات عويصة لا أعرف سنحلها في الأجل المنظور أم لا.
صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 13 جمادى الأولى 1431- 27 أبريل 2010
والنظام الحاكم الذي يفكر رجاله مثل هذا التفكير عليه أولا أن يصالح شعبه ويقوي الجبهة الداخلية بالعدل والديمقراطية الحقيقية ، وحل مشكلات الجماهير التى تهبط مستوياتها الاجتماعية هبوطا لم تعرفه مصر في أي عهد من عهودها ، وهذا يتطلب من الرئيس الأعلى أن يكون قدوة طيبة في أقواله وأفعاله ، ويكتفي بالمدد الخمس التى قضاها في الحكم ، وجعلت من الشعب ضحية لمشكلات فادحة في الطعام والشراب ، والتعليم ، والمساكن ، وغيرها كثير وكثير .
نعم نقول لمبارك لقد كان عهدك أطول عهد في الحكم في تاريخ مصر كلها ” ما عدا عهد محمد على باشا ” مؤسس مصر الحديثة : وأمام هذه الحال الغريبة تلطمنا الحقائق الآتية :
1- لسيادته في الحكم حتى الأن 29 عاما ، في الدورات الخمس في الأعوام الآتية: 1981 و 1987 و 1993 و 1999 و 2005 .
2- الحكام السابقون على سيادته كانت مدة حكمهم كالآتي :
حكام أسرة محمد على باشا
• محمد على باشا:( 1805- 1848) ……………………………. 44 سنه
• إبراهيم باشا بن محمد على:(1/9/1848- 10/11/1848) ….. شهرين
• عباس حلمي باشا الأول 🙁 1848-1854). ………………….. 7 سنوات
• محمد سعيد باشا:( 1854 – 1863). …………………………. 10 سنه
• إسماعيل باشا:( 1863-1879) ……………………………… 17 سنه
• الخديوي توفيق:( 1879- 1892). ………………………….. 14 سنة
• الخديوي عباس حلمي الثاني:( 1892- 1914)……………… 23 سنة
• السلطان حسين كامل:( 1914- 1917)……………………….. 4 سنوات
• السطان ( الملك ) فؤاد:( 1917-1936) ……………………. 20 سنة
• الملك فاروق الأول:( 1936- 1952)………………………… 17 سنة
• الرؤساء بعد قيام الثورة :
• محمد نجيب : أول مرة (18/6/1953- 25/2/1954)………. قرابة سنة
• جمال عبد الناصر:رئيس مجلس قيادة الثورة (25/2/1954- 27/2/1954).
• محمد نجيب: المرة الثانية(27/2/1954-14/11/1954).
• جمال عبد الناصر:رئيس مجلس قيادة الثورة(1954-1956) ثم رئيسا للجمهورية: . ( 1956- 1970)……………………………….. قرابة 15 سنة
• أنور السادات: رئيسا للجمهورية(17/10/1970- 6/10/1981)…. 12 سنة
• الرئيس الحالي محمد حسني مبارك:(14/10/1981- الآن)حتى الآن قرابة 29 سنة
***********
وباستثناء مدة حكم محمد على باشا لا نجد واحدا من أسرة محمد على ، ولا واحدا من رؤساء مصر في عهد الثورة يماثل أو يقترب من مدة حكم الرئيس محمد حسني مبارك حتى الآن .
ومن المفارقات العجيبة أن مدة حكم مبارك تقارب مجموع مدة حكم آخر ملكين في تاريخ مصر : الملك فؤاد ، والملك فاروق .
وتكاد تساوي مدة حكم الرؤساء الثلاثة في عهد الثورة الميمونة .
ونقول لمبارك : كفاك كفاك ، وعليك أن ترد الحرية للشعب المطحون ، وتلغي قانون الطوارئ ، لنحكم بدستور يجرم التزوير والتدليس والنفاق ، ويقدم اللصوص والمرتشين ونواب الكيف والمخدرات ولصوص الأراضي لمحاكمات عادلة .
وفي مصر ثلاثة ممن يصنعون الواقع الذي نعيشه ، هم : أحمد عز ، وصفوت الشريف ، وجمال محمد حسني مبارك ، رئيس لجنة السياسات ، وإن شئت فقل: رئيس كل أمر ، وصاحب كل قرار .
ولأضرب مثلا واحدا لموقف واحد من مواقفه ، كان صدمة للمواطنين جميعا في الدقهلية ، وهو زيارته لقرية ” دماص ” التابعة لميت غمر ، وأوجز ما أجمعت عليه وكالات الأنباء على المستويين المحلي والعالمي :
ــ على طول الطريق من القاهرة إلى ” دماص ” كانت الترسانات الحربية المتحركة ، تنطلق متتالية .
ــ منع المرور في هذه المنطقة الشاسعة للسيارات والمشاة .
ــ ذهب فخامته إلى مطار ” شاوة ” بطائرته الخاصة .
ــ ومن شاوة إلى قرية دماص ذهب بسيارته وحوله عشرات من المصفحات لحمايته .
ــ أمر كل أهالي المنطقة أن يغلقوا بيوتهم عليهم ، وألا يفتحوا نافذة من النوافذ.
ــ يقال إنه نزل في هذه المنطقة ” دماص ” في مكان خفي ، والتقى بالوزراء وكبار المسئولين ، وعدد ضئيل جدا من الناس اختارهم رجال الأمن لزوم التصوير.
مع أن الصحف المسماة بالقومية نشرت أنه ” التقى بالمواطنين في مهرجان جماهيري حاشد .
( وحبس الناس في بيوتهم ، وحظر فتح النوافذ يذكرني بمشهد رأيته في أحد الأفلام الأجنبية التي اعتمدت على قصص ألف ليلة وليلة . وهو مشهد خروج “بنت السلطان” المحظورة رؤيتها على أي واحد من الرعية ، ومن ترك نافذته مفتوحة يمطره حراس الأميرة بوابل من السهام حتى يغلق نافذته ) .
كانت هذه التصرفات الجمالية المباركية تكريسا غير مقصود لمزيد من كراهية الشعب للنظام والقائمين عليه ، بدليل أنه في اليوم التالي اجتمع مجموعة من شباب القرية ، وقرروا تشكيل لجنة لمناصرة ” البرادعي ” وأنصاره .
***********
إنها بعض المظاهر بل المآسي التي يعيشها شعبنا المسكين في جحيم الواقع المر، وهناك الكثير ، والكثير ، مما يحتاج إلى مقالات … ومقالات .
gkomeha@gmail.com

المصريون