الجمعة , 24 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

مصر.. وآفاق حرب جديدة..سمير العركي

يبدو أن مصر التي يجرى على أراضيها أطول أنهار العالم قد تكون على موعد مع أول حرب في الألفية الثالثة بسبب المياه؛ فالدول الإفريقية التي تشكِّل ما يعرف بدول المنبع قرَّرت التمرد على الحقوق المصرية والسودانية في نهر النيل، وأعلنتها صراحةً أنها ستضطر إلى بيع مياه النيل حتى توفِّر الغذاء لسكانها، وشرعت في اتخاذ العديد من التدابير على نهر النيل، والتي رفضتها مصر بدورها واعتبرتها افتئاتًا على الحقوق التاريخية الثابتة لمصر في مياه النهر.

بين الواقع والتاريخ

شكّلت اتفاقية عام 1929م الأساس القانوني للتعامل مع مياه نهر النيل، والتي أُبرمت بين مصر وبريطانيا نيابةً عن مستعمراتها الإفريقية آنذاك، وقد أعطت تلك الاتفاقية لمصر حق الاعتراض على مشاريع الاستكشاف والإنتاج، وهو الحق الذي استخدمته مصر طوال العقود الماضية للحفاظ على حقوقها التاريخية في مياه النهر.

ثم حدّدت اتفاقية 1959م بين كلٍّ من مصر والسودان كمية المياه التي تصل مصر مقدار 55 مليار متر مكعب سنويًّا في مقابل 18,5 مليار متر مكعب سنويًّا للسودان.

ولكن أليس من حق دول المنبع (أوغندا، إثيوبيا، الكونغو الديمقراطية، بوروندي، تنزانيا رواندا، كينيا، إريتريا) الحديث عن توزيع عادل لمياه النيل؟!

قد يكون ذلك صحيحًا حال اعتمدت تلك الدول على مياه نهر النيل في سد احتياجاتها المائية، ولكن في حين تعتمد مصر في احتياجاتها المائية على مياه النيل بنسبة 95%، فإن نسبة اعتماد إثيوبيا التي تقود الحملة حوالي 1%، وكينيا 2%، وتنزانيا 3%، والكونغو 1%، وبوروندي 5%, ذلك أن كثافة هطول الأمطار على تلك البلدان تقلِّل من أهمية مياه النيل بالنسبة لها، بل إن دولة الكونغو تفقد ما يقرب من ألف مليار متر مكعب من مياه النهر حيث تذهب هباءً في البحر.

ومن هنا فإن مياه نهر النيل تمثِّل عصب الحياة للدولة المصرية التي تقع ضمن النطاق الصحراوي الجاف، ولا تتمتع مصر بموسم مطير يسدُّ ولو بعض احتياجاتها المائية.

لذا حاولت مصر منذ بداية تاريخها الحديث تأمين منابع نهر النيل، فجرَّد الخديوي إسماعيل حملته الشهيرة تجاه بلاد “الحبشة” لتأمين منابع النيل؛ ففي عصر الخديوي إسماعيل امتدت الحدود المصرية جنوبًا إلى بحيرة فيكتوريا وحدود الحبشة، وضمت مصر إليها سواحل الصومال وموانيها الهامة مصوع وزيلع، بالإضافة إلى ما يُعرف الآن بالسودان، وقد قام الخديوي إسماعيل بتوسيع حدوده الجنوبية في الصومال وعند خط الاستواء، وكان هدفه الحقيقي تأمين الحياة المصرية بالسيطرة على منابع النيل، وعيّن أمين باشا واليًا على مديرية خط الاستواء (أوغندا حاليًا).

وصار السودان من الممتلكات المصرية، وقبل الثورة كان لقب الملك فاروق هو ملك مصر والسودان، وكان التأمين الاستراتيجي لمصر يعتمد على تقوية نفوذها ووجودها في منابع النيل، لأن النيل هو الحياة لمصر، وبدونه تتحول مصر إلى صحراء جرداء.، كما أن حكومة ما بعد ثورة 1952م اهتمت اهتمامًا كبيرًا بالدول الإفريقية ودول منبع النيل بصفة خاصة، فأنشأت شركة “النصر” للاستيراد والتصدير، والتي تواجدت في معظم دول القارة السمراء، وكانت بمثابة عين لجهاز الأمن القومي المصري، كما لعب الأزهر دورًا بارزًا في الريادة المصرية في أفريقيا من خلال المنح الدراسية لأبناء القارة، وكان شيخ الأزهر يُستقبل حينها استقبال الرؤساء والملوك، كما لعبت البعثات التعليمية والمدارس المصرية المنتشرة في دول حوض النيل من السودان حتى أوغندا دورًا لا يُنكر في بسط الهيمنة المصرية على هذه الدول.

أسباب الأزمة

لا يمكننا اختزال أسباب الانقلاب الإفريقي في سبب واحد، ولكنها أسباب مجتمعة أدت إلى بروز هذه الأزمة الصعبة، والتي تتلخص في الآتي:

1- تراجع الدور المصري إفريقيًّا، فالآليات التي سبق وأشرنا إليها والتي مكَّنت مصر من التغلغل إفريقيًّا، هذه الآليات أصابها العطب، ولم تعد تؤدي الدور المنوط بها، فالعلاقات المصرية مع دول حوض النيل بصفة خاصة مصابة بالبرود، ولم تعدْ مصر تتعامل مع دول الحوض على اعتبار أنها الفناء الخلفي لها، فأمن مصر المائي يبدأ من السودان، البوابة الجنوبية نحو إفريقيا، وقد ارتكبت حكومة الثورة الخطأ الفادح عندما سمحت بانفصال السودان، وهي التي كانت تشكِّل مع مصر وحدة جغرافية واحدة، وكان الملك فاروق آخر ملوك ما قبل ثورة يوليو 1952م يلقَّب بـ “ملك مصر والسودان”.

والجدير بالذكر أن الحكومات السابقة لثورة 1952م كانت ترفض رفضًا تامًّا التفريط في السودان، حتى إن النحاس باشا رئيس وزراء مصر في تلك الحقبة كان يقول: “تقطع يدي ولا تقتطع السودان من مصر”، ورغم أن حكومة الثورة أبدت اهتمامًا واضحًا بالدائرة الإفريقية، إلا أن الاهتمام فتر مع مرور الزمن، وشعرت الدول الإفريقية أن الدولة المصرية تتعامل معهم بشيء من التعالي والتجاهل، خاصة بعد إلغاء منصب وزير الدولة للشئون الخارجية، والذي كان بمثابة همزة الوصل مع القارة الإفريقية، حتى إن مؤتمرات القمة الإفريقية غالبًا ما تشهد تمثيلًا مصريًّا منخفضًا، خاصة بعد محاولة الاعتداء على الرئيس مبارك في أديس أبابا، كما أن مصر فقدت السيطرة على منطقة باب المندب الحيوية، والتي لعبت دورًا مهمًّا في حرب أكتوبر 1973م، هذا التراجع المصري في إفريقيا أفقد مصر كثيرًا من النفوذ السياسي والأدبي على دول القارة.

2- تنامي الدور الإسرائيلي في دول حوض النيل، ولم يكن هذا الدور ليبرز لولا الفراغ الذي أحدثه تراجع الدور المصري إفريقيًّا.. إن استراتيجية إسرائيل منذ أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات اتجهت إلى محاولة تطويق العالم العربي والانقضاض عليه من الخلف، وكان الدخول إلى القارة الإفريقية والتركيز على دول حوض النيل، وعلى رأسها إثيوبيا؛ للضغط على مصر، كجزء من تلك الاستراتيجية.‏

فإسرائيل لديها مبدأ أن “المياه مصدر استراتيجي تحت السيطرة العسكرية” وهو مبدأ في غاية الخطورة على الأمن المائي العربي، وقد بدأت إسرائيل بتنفيذ خطتها لاستغلال المياه العربية منذ منتصف الستينيات، وخاضت حرب يونيو 1967 من أجل الوصول إلى المياه العربية، فاحتلت مصادر مياه نهر الأردن ومرتفعات الجولان، وأكملت ذلك بغزو لبنان عام 1982 لتكمل سيطرتها على نهر الليطاني، وبذلك حقَّقت حلمها التاريخي، وهاهي الآن تتوغل في دول حوض النيل بإقامة علاقات متكاملة مع دولها وتقديم مساعدات اقتصادية وعسكرية واستثمارات وتدريب أمني للأجهزة الأمنية بتلك الدول.

ووفقًا لما نشرته جريدة “المصريون” في 30/4/2010م فإن الحكومة الإسرائيلية وافقت على تقديم منح مالية لكل من تنزانيا ورواندا وإثيوبيا لإقامة عدد من السدود على نهر النيل، كما قرَّرت زيادة الاستثمار في أوغندا والكونغو في إطار مساعيها الرامية لزيادة النفوذ الإسرائيلي بين دول حوض النيل.

وبدأ سفير إسرائيل لدى تنزانيا ورواندا في تنفيذ اتفاق أُبرم بين وزير الخارجية الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان ووزيري خارجية البلدين لإنشاء أربعة سدود في تنزانيا وسد واحد برواندا، بهدف حجز المياه وتصديرها إلى إسرائيل عبر سفن عملاقة تم تصنيعها خصيصًا لهذا الشأن، وكذا استغلالها كورقة المياه للضغط على مصر في حال تأزم العلاقات بين مصر وإسرائيل، أو حدوث تباين في قضايا الحل النهائي.

3- شعور دول المنبع بالغبن الذي تعرضت له في الماضي بسبب الاتفاقيات التي وقعت في الماضي نيابة عنها عن طريق بريطانيا، وإحساسها بأنه قد آن الأوان لتصحيح ذلك الخطأ حتى تتمكن من الاستفادة من مياه النيل في توفير الغذاء لسكانها؛ فإثيوبيا دعت “للاستخدام العادل لمياه النيل” وقال المتحدث باسم الحكومة الإثيوبية شامليس كيمال للصحفيين: إن بلاده وست دول أخرى في شرق ووسط أفريقيا ستوقع في مايو المقبل اتفاق إطار حول “الاستخدام المنصف لنهر النيل”.

وقال الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني: إنه لم يعد ممكنًا أن تستمرَّ مصر في احتكار استخدام مياه النيل، ودعا إلى إعادة النظر في اتفاقية تقسيم مياه النهر الموقعة عام 1929.

وأضاف موسيفيني في كلمة أمام مؤتمر بكمبالا بشأن الأمن الغذائي أنه “لا أحد يريد أن تتضور مصر جوعًا, لكن هذا الموقف الأناني من استخدام مياه النيل لا بد من وضع حد له”.

وطالب الرئيس الأوغندي مصر بإعادة التفاوض بشأن اتفاقية التقسيم؛ لأنها وقّعت بين مصر وبريطانيا نيابة عن مستعمراتها.

وتطالب دول أخرى في حوض النيل مثل كينيا وتنزانيا وأوغندا وبوروندي ورواندا والكونغو بتعديل الاتفاقية الخاصة باستخدام مياه النيل وروافده.

البدائل المطروحة

1- اتباع الوسائل السلميَّة، والمضيّ قُدُمًا في طريق المفاوضات مع دول حوض النيل، رغم فشل مؤتمر شرم الشيخ في إبريل الماضي وعدم اعتبار المؤتمر المذكور نهاية المطاف، بل يجب إعطاء الفرصة بصورة أكبر للتفاوض، وينظر أصحاب هذا البديل إلى خطورة تورُّط القوات المسلحة المصرية في نزاع إفريقي لا يعرف أحد كيف سينتهي، خاصةً مع توتر الأوضاع في المنطقة العربية مع تصاعد التحرش الإسرائيلي بسوريا ولبنان، كما تبدو أهمية الحوافز المقدمة لدول حوض النيل للتخلي عن مشاريعها على نهر النيل، وهذا ما أدركته الدولة المصرية فبدأت تلوّح به؛ فقد حذَّر الدكتور محمد نصر الدين علام وزير الموارد المائية والري في مصر الأربعاء من أن استمرار الانقسام بين دول المنبع من ناحية والمصبّ من ناحية أخرى سيضيع نحو 20 مليار دولار على دول حوض النيل.

ونقل التليفزيون المصري عن علام القول: إن هذا المبلغ يخصّ المشروعات المشتركة التي ستموّلها الجهات المانحة الدولية لخدمة شعوب دول حوض النيل وتحسين مستواهم المعيشي والخدمي وتنمية موارد نهر النيل، وحاول وزير الري تلطيف الأجواء فقال: “علاقاتنا بدول حوض النيل أزليَّة، فما يجمعنا مع تلك الدول أكثر بكثير مما يفرِّقنا.. هناك عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية تقربنا من بعض”.

2- اللجوء للخيار العسكري حال فشلت المفاوضات في الوصول إلى حلّ يحفظ للدولة المصرية حقها التاريخي في مياه نهر النيل، ورغم أن شخصيات نافذة في الحكومة المصرية حاولت التقليل من خيار الحرب، إلا أن كثيرين من المحلِّلين العسكريين يعتبرونه قائمًا وبشدة؛ فالدولة المصرية ليس لديها خيار آخر، والحفاظ على الأمن المائي المصري بالقوة ليس وليد الساعة، بل أحد ركائز السياسة المصرية الخارجية، حتى إن الرئيس الراحل أنور السادات الذي صرَّح عقب توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل أن حرب أكتوبر هي آخر الحروب، استدرك حينها قائلًا: “ولكني على استعداد لخوض حرب جديدة من أجل مياه نهر النيل”، بل إن الحديث بدأ يتطرق إلى سيناريو الحرب المرتقبة، وهل سيكون عبارة عن ضربة جوية للسدود المعتزم إنشاؤها على النهر، أم سيكون بقوات برية تنطلق من الأراضي السودانية، وكان قياديون في الحزب الوطني الحاكم قد أكدوا في وقت سابق أن مصر “قد تذهب للحرب في أفريقيا أو أي مكان في العالم إذا ما أصرَّت دول حوض النيل أن تخفض من حصتها في مياه نهر النيل”.

3- العمل على شغل دول المنبع بمشاكلها الداخلية، وخاصة إثيوبيا التي تتزعم الحملة على مصر، فإثيوبيا تعاني من مشاكل مع الصومال، وقد غضَّت مصر الطرف عن تدخلها العسكري في الصومال للقضاء على حركة (المحاكم الإسلامية)، كما أن مصر لم تستثمرْ حتى الآن وجود ما يقرب من 40% من سكان إثيوبيا من المسلمين يعانون أوضاعًا صعبة تصل إلى حد الاضطهاد الديني في ظل تجاهل الدولة الإثيوبية لمشاكلهم.

كيف ستتصرف مصر في هذه الأزمة؟ ..سؤال بات الشعب المصري ينتظر الإجابة عليه؛ لأن القضية تمسُّ حياتَه ووجوده!!