الإثنين , 20 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

اللواء الدكتور نبيل لوقا وفقه النضال في الخلاء!

لم أكن قد تجاوزت السادسة عشرة من عمري (المديد بإذن الله) عندما عكفت على القراءة في الفقه الإسلامي، وأذكر انه وقع في يدي كتاب ضخم عنوانه ‘الفقه على المذاهب الأربعة’.. طبعة دار الشعب.

ثم اتبعت هذا بقراءة ‘فقه السنة’ للشيخ سيد سابق، فكتاب ‘الحلال والحرام في الإسلام’ للدكتور يوسف القرضاوي.

وكان الإسلاميون يطلقون عليه ‘الحلال والحلال في الإسلام’، لان القرضاوي كان ميالا للسماحة، وهم كانوا يجدون متعة في التحريم !

دنيا، فقد انتهى الأمر بهذه الجماعات الى مجرد ‘مدونة ‘ على الانترنت، وهم الذين لم يكونوا يريدون حكم مصر فقط، بل كانوا يسعون الى عودة الخلافة، وليس هذا موضوعنا، فعند قراءتي للمجلد سالف الذكر، ابتعدت كلية عن القراءة للفقيه الجليل احمد بن حنبل، فمن المستقر في الوجدان العام انه متشدد، وفي مصر نقول لمن ركبه العصبي: أنت حنبلي؟!

ظُلم احمد بن حنبل حيا وميتا، وهذا أيضا ليس موضوعنا، فقد راعني في قراءاتي الفقهية، ان الفقهاء أولوا اهتماما كبيرا، بآداب قضاء الحاجة، تفرع منه مبحث مهم عن آداب قضاء الحاجة في الخلاء.

وقد تذكرت هذا مؤخرا، وبرامج ‘التوك شو’ في المحروسة، تحتفي بدعوة خالد الذكر اللواء الدكتور نبيل لوقا بباوي، بسحب حركات الاحتجاج في مصر الى الخلاء.

فقد اقترح مكانا بعيدا عن منطقة وسط القاهرة، ليمارس فيها المحتجون نضالهم، ولأننا إزاء مشكلة لم يعاصرها الفقهاء القدامى، فقد أخذت على عاتقي مهمة إعداد دراسة عن فقه النضال في الخلاء، وذلك لعموم الفائدة.

للذكرى، فان اللواء الدكتور هو من سبق له ان شارك في حلقة برنامج ‘الاتجاه المعاكس’، مع الدكتور عبد الحليم قنديل بدون لواء.

واللواء الدكتور هو صاحب السبق الكبير عندما اقسم بأن الجدار الذي يتم بناؤه بيننا وبين غزة والذي يحكم حلقة الحصار الذي فرضته اسرائيل علي مليون ونصف المليون فلسطيني  ليس من الفولاذ، فقال ‘انطس في نظري ما هو فولاذي’، و’أعدم ولادي الاثنين ما هو فولاذي’.

وها الأيام تثبت انه كان جادا عندما وضع ‘نظره’ وأولاده الاثنين على المحك، وكنت أظن قبل ذلك ان لديه استعدادا للتضحية بنظره وولديه حبا في أهل الحكم، الذين منوا عليه بالتعيين في مجلس الشورى ولأكثر من دورة، فهو إذن رمز الإخلاص الفطري، وآية على الحب العذري.

بيد انني اكتشفت ان الرجل لم يكن يضحي بأعز ما يملك، فقد كان يعلم الحقيقة، وهي أن هذا الجدار لا هو ‘فولاذي’ ولا يحزنون، فهو من ورق ‘البفرة’ المستخدم في صناعة السجائر.

والدليل ان عمال الأنفاق في غزة نجحوا في اختراقه، فجعلوا أوباما يقلب يديه على ما انفق، والولايات المتحدة الأمريكية هي التي تتحمل بنفس راضية نفقات هذا الجدار.

الذي من الواضح ان الغش التجاري وربما الصناعي قد وصل الى مكوناته الرئيسية، حتى تحول الأمر الى فضيحة، جعلت رؤوس القوم في القاهرة، وواشنطن، وتل أبيب، كما السمسمة من فرط الخجل.

نجم الفضائيات

صدق نبيل لوقا بباوي، الذي أصبح نجم الفضائيات هذه الأيام، فمنذ ان استدعاه فيصل القاسم في برنامج ‘الاتجاه المعاكس’ ليدافع عن وجهة نظر أهل الحكم في مصر، وكأنه منحه الاعتراف الدولي، وكان قبل ذلك تتم استضافته على استحياء.

وقد رحمنا بانتشاره من بعض العناصر التي كانت تشبه ‘المقررات الدراسية’ على الشاشة الصغيرة، والتي كنت تشاهدها وتستمع إليها دفاعا عن ممارسات السلطة، فتظن أنها خرجت توا من مستشفى العباسية للأمراض العقلية.

الجنرال بباوي تستمع الى دفاعه وتبريره وأنت مبتسم، بل وتقهقه أحيانا، وهو ضابط بوليس سابق، اذكر ان وزير الداخلية الأسبق زكي بدر أقاله، لأسباب لا اعلمها، فانتظر الى ان أقيل الوزير في سنة 1990، وذبح عجلا معتبرا احتفالا بذلك..

وهو سلوك ينتمي الى ثقافة ‘ انطس في نظري’ و’اعدم ولادي الاثنين’ في حديث سياسي لا يتم الاحتكام فيه الى العواطف الجياشة.

قبل أيام شاهدته في واحد من برامج ‘التوك شو’، وسخر بطريقته الظريفة من الحديث عن تزوير الانتخابات، فبرأيه ان مصر لا تعرف تزوير الانتخابات.. فهو لديه جرأة في الدفاع عن أولي الأمر، لم تمنح لأحد من قبل، ولا اظنها ستمنح لأحد من بعد!

مع ان التزوير ثابت بأحكام القضاء، وبشهادة العميد شرطة محمود قطري في كتابه” تزوير دولة ” ، ومع ان لدينا ظاهرة لا توجد إلا في مصر، وهي ان الموتى يخرجون من الأجداث الى اللجان الانتخابية ينسلون، ويعطون أصواتهم لمرشحي الحزب الحاكم.

وهناك تقليعة جديدة لم يهتد إليها المزورون القدامى وهي منع الناس من الترشيح ابتداء، ولمن لا يعلم فان مصر تشهد هذه الأيام انتخابات التجديد النصفي لما يسمى بمجلس الشوري، الذي يترأسه الرائد متقاعد صفوت الشريف.

وفي دائرتي الانتخابية، وهي الدائرة الثالثة بمحافظة سوهاج تم اعتقال مرشح لأنه تقدم بأوراق ترشيحه، ولم يتم إخلاء سبيله إلا بعد الاستيلاء على الأوراق المطلوبة للترشيح، وتم تمزيق أوراق مرشح آخر.

فعززنا بثالث فرفضوا دخوله من باب مديرية الأمن ليتقدم بأوراق ترشيحه، ليصبح مرشح الحزب الحاكم هو المرشح الوحيد، ولينجح بالتزكية.. ربما من باب ترشيد الإنفاق على العملية الانتخابية بالدائرة.

زميلنا ضياء رشوان كان ضيفا علي البرنامج (برامج التوك شو تشابه علينا)، ولجأ الى لغة الأرقام، وعقد مقارنة بين أعداد الذين أدلوا بأصواتهم في التجديد النصفي الذي جرى قبل ست سنوات تحت إشراف القضاء، وعدد المصوتين في الانتخابات التي جرت قبل ثلاث سنوات، وأدارتها وزارة الداخلية، تحت لافتة موظف لكل صندوق.

وكان من الملاحظ ان هناك زيادة في عدد الذين أدلوا بأصواتهم في الانتخابات الأخيرة وصلت الى خمسة أضعاف الذين أدلوا بأصواتهم عندما كانت الانتخابات تجري تحت عنوان قاض لكل صندوق.

لم تمهل المذيعة رشوان ليقوم بقراءة الأرقام، والتي تعني انه في ظل الوضع الحالي يحدث ما عرفه قاموس الحياة السياسية المصرية ‘بالتسويد’، وأيضا في قيام الموتى بأداء حقهم الدستوري، وتأكيد إحساسهم بالمسؤولية الوطنية، وهم لا يرتاحون لوجود القضاة، بينما يجدون الراحة التامة في حضور ضباط الشرطة، وقديما قيل: القلب وما يريد.

الدروس المستفادة

المذيعة أعطت الكلمة للجنرال نبيل لوقا، وبدا ليس مستوعبا الدروس المستفادة مما قاله رشوان (أو اخويا رشوان على حد قوله)، والرجل حاصل علي ‘نصف دستة’ دكتوراه، وبمعدل دكتوراه لكل سنة، كما لو كانت الدكتوراه في وطننا العربي تمنح علي مقالات الرأي.. الآن سوف تعطل الفضائيات مسيرته العلمية، وهو ينتقل من فضائية الى أخرى.

لوقا قال ان عدد القضاة لا يكفي لكي يكون هناك قاض لكل صندوق، ورد عليه رشوان بل يكفي ويزيد. والإشراف القضائي جرى في برلمان 2000 وبرلمان 2005، وفي انتخابات مجلس الشورى سنة 2004، قبل ان يتم إلغاؤه.

صاحبنا الذي هو نبيل لوقا بباوي، تعامل مع التظاهر باعتباره حالة مرضية، وليس وسيلة للنضال السياسي ومن اجل الحصول على الحقوق او الدفاع عنها، ولذا فقد ظن ان المريض من هؤلاء يحتاج الى مكان يصرخ فيه ليستريح، وبمجرد ان يقول: آه، سيتحول الى مواطن صالح، إذن فليقولها في الصحراء، أو بعيدا عن المربع السكني.

وحجته حتى لا يعطلوا المرور بوسط القاهرة، مع ان مواكب الوزراء تساهم في الصباح والمساء في إحداث حالة شلل تام للمرور، دون أن يلفت هذا انتباه أعداء التظاهر.

سيد علي مقدم برنامج (48 ساعة) على قناة (المحور)، قال له ان المكان الذي وقع عليه اختياره بجوار استاد القاهرة الرياضي، يعاني أيضا أزمة في المرور.. وفي الواقع فان ان كل القاهرة تعاني من هذه المشكلة.

وما دام المستهدف ان يكون التظاهر في مكان مغلق، فلا مانع من ان يتم نقل المتظاهرين في طائرات الى توشكي، او الى الصحراء الغربية.. ليصرخوا هناك، حتي يستريحوا وبعد ان يشعروا بالراحة تتم إعادتهم الى بيوتهم!.

لاحظ انه منذ سنوات اهتدت قوات الأمن الى فكرة عبقرية تتمثل في إلقاء القبض على المتظاهرين، وفي المساء يتم التخلص منهم برميهم في صحراء القطامية، وقد سبق لي ان كتبت عن رحلتي في البحث عن أصدقائي من المتظاهرين، وكنت أسابق الزمن ونجحت في الوصول اليهم قبل ان تصل إليهم ‘ السلعوة’، التي ظهرت هناك.

كان هذا الحيوان سيعتبر زميلنا محمد ابو لواية مائدة من السماء، فقد رزقه الله بسطة في الجسم بشكل يمثل مخزونا استراتيجيا ‘للسلعوة’ وأسرتها لمدة عام كامل. أرجو ألا تقدم الحكومة على هذه الخطوة بنقل المتظاهرين الى الصحراء قبل ان انتهي من إعداد مبحث في فقه النضال في الخلاء.

* بقلم: سمير عزوز
صحفي مصري
azouz1966@gmail.com
جريدة القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*