الخميس , 23 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

رسالة المرشد العام : غزة تطلق شرارة الحرية والعزة للعالم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد..

فإن الحرية فطرةٌ بشريةٌ، ومنحةٌ من الله لجميع الخلق، ولا يحق لفرد- كائنًا من كان- أن يصادر تلك الحرية، وقد تمثَّلت هذه الحقيقة في أعظم حقيقة في الوجود، وهي الإيمان بالله؛ حيث لا يكره أحد عليه.. ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: من الآية 256)؛ فالحرية العليا إنما مظهرها في الكون “الله وحده…”، وإن العبودية لله وحده هي أسمى منازل الحرية؛ لأنه استعلاءٌ على آلهة ثلاثة: إله الحجر، وإله البشر، وإله الهوى،  وتحرر الإنسان من سيطرة التقاليد وعبودية البشر وأسر الشهوات؛ وذلك بالسمو إلى حقيقة الحقائق ورب الأرباب (الله) الأحد الفرد الصمد.. ولن تتحقق للدولة حريتها وتتحرَّر من عبوديتها لغيرها إلا إذا تحرر أفرادها، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11) وأولى الأمم بحق الحياة أبذلها لحياتها في الحق.

وقد جاء الإسلام ليحرر الإنسانية من العبودية لغير الله، وما أجمل قول ربعي بن عامر: “إن الله أخرجنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة” وهذا ما يستفاد من قصة موسى مع فرعون وإصراره على تحرير بني إسرائيل من العبودية كما في قوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (الشعراء: 22)

أيها العالم أجمع..

إن حرية البشر جميعًا لن تتحقق إلا في ظل الإسلام الذي يمنح الحرية لكل من يعيشون في كنفه، دون تفرقة بين عقيدة وعقيدة، ولا بين جنس وجنس، ولا بين لون ولون، ولا بين طبقة وطبقة، فالكل في الحرية سواء، والناس كلهم من آدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى.. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13).

وهل هناك أعظم من موقف عمر مع عامله في مصر عمرو بن العاص حين لطم ابنه مسيحيًّا بعد وافتخر بآبائه، قائلاً: خذها من ابن الأكرمين، فاقتصَّ منه عمر وقال: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!”.. لقد كان الإسلام سحابة رحمة وعدل وحرية ومساواة انتظمت البلاد وعمَّت العباد.

الحرية فريضة

لقد هتف الإمام البنا منذ فجر الدعوة بأن الحرية فريضة إسلامية، فيقول: “إذا قيل لكم: إلام تدعون؟ … فقولوا: ندعو إلى الإسلام؛ الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، والحكومة جزء منه، والحرية فريضة من فرائضه، فإن قيل لكم: هذه سياسة! فقولوا: هذا هو الإسلام، ونحن لا نعرف هذه الأقسام”.

ويزيد الإمام الأمر وضوحًا، فيقول: “وأما أننا سياسيون بمعنى أننا نهتمُّ بشئون أمتنا، ونعتقد أن القوة التنفيذية جزءٌ من تعاليم الإسلام، تدخل في نطاقه، وتندرج تحت أحكامه، وأن الحرية السياسية والعزة القومية ركنٌ من أركانه، وفريضةٌ من فرائضه، وأننا نعمل جاهدين لاستكمال الحرية، ولإصلاح الأداة التنفيذية؛ فنحن كذلك، ونعتقد أننا لم نأتِ فيه بشيء جديد؛ فهذا المعروف عن كل مسلم درس الإسلام دراسةً صحيحةً، ونحن لا نعلم دعوتنا ولا نتصوَّر معنى لوجودنا إلا تحقيق هذه الأهداف، ولم نخرج بذلك قيد شعرة عن الدعوة إلى الإسلام.. والإسلام لا يكتفي من المسلم بالوعظ والإرشاد، ولكنه يحدوه دائمًا إلى الكفاح والجهاد: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69).

يا دعاة حقوق الإنسان..

هذا ديننا، وهذه منزلة الحرية في إسلامنا، وقد طبقنا ذلك، وجعلناه واقعًا في حياة البشرية، فنعمت وسعدت وأمنت..

فبماذا جئتم أنتم؟!

ما جئتم به كان نتاج أعمال همجية، كما جاء في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وإن إقرار قانون حماية حقوق الإنسان إنما كان لكيلا يضطر المرء آخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم.

ثم كانت المادة (3): “لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه”، والمادة (5): “لا يعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطَّة بالكرامة”.

أما ماذا فعلتم بالبشرية أيها العالم المتحضر..؟! فكله يهدم ما سبق، فحرب عالمية لم يكن المسلمون طرفًا بها أتت على الأخضر واليابس، وقنابل نووية على اليابان، وقتل الملايين في أوروبا، وإبادة الشعب الجزائري من فرنسا، وإبادة الشعب الليبي من إيطاليا، وما فعلته بريطانيا بمصر والشام والعراق والهند وباكستان وأفغانستان، يسود صحائفها، وكذلك أمريكا في حرب فيتنام وحرب كوريا، والاعتداء الثلاثي على مصر (بريطانيا وفرنسا وإسرائيل)، وحرب إسرائيل على مصر 67، والحرب على أفغانستان تارةً من الاتحاد السوفيتي، وأخرى من أمريكا بتحالف عالمي، وحرب الهند على باكستان، والحرب على العراق والصومال واليمن..

وحروب متعددة على لبنان، والبوسنة والهرسك، وكوسوفو والشيشان.. وحروب فلسطين؛ في جنين وغزة.. وغيرهما وبالأحرى ما من أرض إلا وأرقتم عليها دماء، وفي كل ذلك كان القتل للأطفال والنساء والشيوخ والمدنيين والأبرياء وهدم للبيوت والمساجد ومقارِّ هيئات الإغاثة الأمم المتحدة والمدارس، وما يطفئ الله حربًا يشعلونها إلا وأشعلوا أخرى، والحروب في العالم هم فتيلها، وصدق ربنا: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ (المائدة: من الآية 64).

وعن العنصرية حدث ولا حرج.. وما فعلته أمريكا بالهنود الحمر، والسود من إفريقيا خير شاهد، وما يفعله الغرب الآن من تقييد لحرية المسلمين وانتقاص لحقوقهم، وانتهاك لحرماتهم، واعتداء على مساجدهم وحرقها وتلويثها يعلمه القاصي والداني.

وعن سجون الظلم والتعذيب سل جونتنامو وأبو غريب والسجون السرية في العراق وفي أوروبا وفي باكستان ودولة الكيان الغاصب، وكثير من دول العالم العربي والإسلامي، كل ذلك لم يعد يحتاج إلى دليل؛ فقد اعترفت بذلك الدول والحكومات والمنظمات العالمية والهيئات الدولية.

هذه هي رحمتكم بالبشرية وعدالتكم بين البشر، والمساواة بين الناس، والحرية والديمقراطية التي تتشدقون بها.

فلسطين جرح غائر ودم ثائر

أيها الأحرار في الغرب.. أيها العقلاء في كل العالم..

آما آن لكم أن ترجعوا عن طغيانكم واستبدادكم، وتصلحوا ما أفسده آباؤكم، وكما غرستم هذا الكيان على أرضنا ظلما، فالواجب عليكم أن تنزعوه من أرضنا عدلاً..

ثم أما آن للشعب الذي طُرد من أرضه ودياره أن ينعم بالرجوع إلى أوطانه، وينعم بهواء وخيرات بلاده..

ثم أما آن للشعب الفلسطيني أن ينعم بالحرية والعزة والكرامة في دياره..

وإن لم تفعلوا ذلك فلن تهدأ المنطقة، بل لن يهدأ العالم كله.. ولن يسعد أحد بالأمن والأمان، طالما أن أبناء فلسطين لم ينعموا به، ولن ينعموا به إلا بزوال هذا الكيان الغاصب من المنطقة.

قافلة الحرية أعذرت إلى ربها

إن دماء الشهداء والجرحى من قافلة الحرية وكسر الحصار عن غزة لن تضيع سُدًى، وقد أعذرت إلى ربها، وأخرجت العالم عن صمته على جرائم الصهاينة، كما لفتت الأنظار إلى الحصار الظالم، وضرورة رفعه فورًا، وأدخلت أطرافًا جديدةً في المواجهة مع الصهاينة المجرمين، وكل ذلك يُحسب لهم ولا يضيع عند الله، كما أن هذه الدماء ستتحول إلى لعنات وغضب على الصهاينة، كما أنه يغيِّر من موازين المواجهة في المنطقة، فهنيئًا لمن مات بالشهادة، ونتمنَّى شفاءً عاجلاً للجرحى، وعودةً حميدةً سريعةً لكل أحرار القافلة.

غزة ترسم لنا طريق الحرية والعزة

وأما غزة فلقد قدَّمت للأمة العربية والإسلامية الصورة الحية لما يجب أن يكون عليه المسلم، والحكام والدول، إنهم يصرخون فينا: لا تخافوا من تلك الهياكل التي نصَّبت من أنفسها حكامًا على البشرية، ويطالبونهم بالإذعان لكل ما يطلبون، ولو كان بالتنازل عن حريتهم وعزتهم وكرامتهم.. بل بالتنازل عن عقيدتهم وأوطانهم للغاصب المحتل..

إنهم يصيحون فينا: الإيمان قوة لا تُقهر، ومهما طال السجال، فلا بد أن تنتصر الشعوب..

إِذا الشعبُ يومًا أرادَ الحياة    فلا بُدَّ أن يستجيبَ القَدَرْ

ولا بُدَّ لليلِ أن ينجلي     ولا بُدَّ للقيدِ أن ينكسرْ

إنهم يصيحون فينا وفي أعدائنا: إن المسلمين أمة لا تندثر ولن تموت، وإنها تحيا بشهدائها، وإن أبناءها يحيون بالشهادة، فحياةُ من استشهد حياةٌ له، وحياة وعزة لأمته..

إنهم يهتفون بنا: إن الحرية لا تُمنح من غاصب محتل، ولا تُستجدَى من على موائد المفاوضات، وما خرج غاصبٌ محتلٌّ على طول التاريخ إلا بالمقاومة، وما نال شعب حريته إلا بالجهاد، وإن تاريخ الحرية لا يُكتب بالمداد بل بالدم، وما أحكم من قال:

وما نيلُ المطالبِ بالتمني    ولكن تُؤخذُ الدنيا غلابا

وما استعصى على قومٍ منالٌ    إِذا الأِقدامُ كانَ لهم ركابا

إنهم يقولون لنا: إن الحصار والجوع والقتل لا يفتُّ في عضد طلاب الحرية والتحرير، وعشَّاق العزة والكرامة، فكل شيء يصغر في سبيل الله وتحرير الوطن والإرادة.

إنهم يستصرخون العالم الحر أن يرفع الحصار والظلم عن غزة بقرار دولي عادل، كما فرضه عليهم بقرار دولي ظالم.

ونحن نقول للعالم أجمع: أما آن لكم أن تضربوا بيدٍ من حديدٍ على يد الكيان الغاصب، الذي لم يقف عند انتهاك الحقوق الدولية في فلسطين، ولكنَّ عربدته تمتدُّ لتطال كل دول العالم، بجريمته الآثمة وقرصنته على سفن الحرية في المياه الدولية.

عجيبٌ أمرُ هذا العالم.. يفزع بكل دوله لوقف القرصنة في مياه الصومال، وهم لم يقتلوا ولم يأسروا، وغاية ما كانوا يطلبون فديةٌ ماليةٌ ضئيلةٌ، ومن أجلهم يجتمع مجلس الأمن ويستجلب قواتٍ بحريةً من كل الدول بقرار فوري؛ للوقوف في وجه قرصنة أفراد، بينما يعمَى بصره، وتعجز يده، ويمسك لسانه عن قرصنة الصهاينة.. قرصنة الدولة التي تلطَّخت أيديها بدماء عشرات الدول، وداست كرامتهم، واعتدت على سيادتهم.. وكأن الأمم المتحدة ومجلس الأمن لم ينشأ إلا لقيام دولة “إسرائيل” بقرار دولي ظالم، ثم حمايتها بقرارات ظالمة!.

ونقول لأهلنا في فلسطين: صبرًا آل فلسطين، فالنصر صبر ساعة، والفجر قادم، ووعد الله آت: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (القصص:5 – 6).

أيتها الدول العربية والإسلامية..

أيتها المنظمة الإسلامية..

أيتها الجامعة العربية..

تقدموا لرفع الحصار عن إخوانكم في غزة.. وسيِّروا القوافل إلى فلسطين، ولا تخافوا من الأمريكان الذين يدعمون الصهاينة، ويغطُّون على جرائمها ولا ترهبوا الصهاينة؛ فقد بان ضعفهم وعجزهم، وكفاكم تخاذلاً ما يقرب من أربعة أعوام، وتقدُّمكم الآن خيرٌ لكم، فقد سبقتكم قافلة الحرية، وقدِّموا الشهداء، ولستم بأقل منهم، وسوف يلحق بها أخرى، على الرغم مما ارتُكب في حق الأولى من جرم صهيوني خرج على كل القوانين والأعراف والمواثيق الدولية.

واعلموا أن الحصار سوف يُرفَع عن غزة، تقدَّمتم أو تخلَّفتم.. لكننا نستصرخُ فيكم حمية الإسلام وحقوق الأخوَّة الإسلامية وحقوق الجوار؛ أن تنالوا هذا الشرف وتغسلوا هذا العار.

واعلموا أيها المسلمون أن الجهاد الآن فرض عين، وعلى الحكام- إن أعياهم رفع راية الجهاد- ألا يكبِّلوا الشعوب بأغلالهم، وأن يفتحوا الحدود للمجاهدين ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: من الآية40).

واعلموا أنه لا ينتصر الباطل أبدًا في معركة ينهض فيها حق، وإذا التقى الخصمان “الحق والباطل” دارت بينهما جولاتٌ وأشواطٌ، يصول الباطل فيها أول الأمر وينتصر، ثم تنتهي المعركة في نتيجتها الأخيرة بانتصار الحق، فذلك سرُّ قوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص: من الآية 83) وقوله: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: من الآية 81)، وتحقيقًا لقول الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: من الآية 47) ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ* وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: 4 – 6).

والله أكبر ولله الحمد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*