الإثنين , 20 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

لحمة.. ولكن للحبايب!! بقلم: د. جابر قميحة

إنها وقعةٌ لا أنساها أبدًا.. وقعة ذات تفاصيل، أُقدِّمها للقارئ من بدايتها إلى نهايتها على استحياء:

في طريقي من القاهرة إلى المنزلة دقهلية (مسقط رأسي)، لا أنسى أن أقف ساعةً أو بعض ساعة أمام جزارٍ معروف في قرية اشتهرت بصنفٍ واحدٍ من اللحم، وهو “اللحم البتلو”، وأشتري من الرجل كميةً من اللحم، كهدايا للإخوة والأقارب في المنزلة، فلحم هذه القرية يتسم بسمتين:

الأولى: الجودة والتميز.

والثانية: رخص الثمن نسبيًّا إذا قيس بالجزارين في بلاد وقرى أخرى.

وكذلك عند عودتي من المنزلة إلى القاهرة أمرُّ بالجزار المشهور، وأشتري منه “فخذة عجل بتلو كاملة” من “العجل المُعلق” أمامي، ولزوجتي براعة خاصة في وضعها في “صينية كبيرة” لتُشوى في الفرن.

وهذه المرة أشرت إلى الجزار؛ ليقطع لي الفخذة التي أُشير إليها، ولكنه انطلق وقال لي همسًا: انتظر يا سعادة البيه 5 دقائق.. تعجبتُ لهذا الطلب الغريب، وانتظرت حتى انصرف كل زبائنه، فأردف قائلاً: “معلهش يا بيه أنا انتظرت حتى ينصرف الزبائن”.

– وما علاقتي بالزبائن؟ وأنا مالي؟

– أصل يا بيه فيه فخذة في الثلاجة داخل المحل حاجزها للحبايب، وأنت زبوني من مدة كبيرة فأنت أحق بها من غيرك.

وأخرج الفخذة، وأراد أن يقطعها قطعًا صغيرةً، فطلبتُ منه أن يجعلها كما هي، ولكن يكسر نهاية الفخذة حتى يمكن إدخالها في “الصينية”؛ لتقوم زوجتي بشيِّها في فرن البوتاجاز.

ولاحظت أن الفخذة مستطيلة أكثر من اللازم، وليست “ملفوفة” أي لا تحمل لحمًا كثيرًا، قلتُ في نفسي: ليكن.. فكله بالميزان.

وعدتُ إلى المنزل، وفي اليوم التالي قامت الزوجة بالمطلوب، وأكلنا الفخدة أنا والزوجة والأبناء، فلم نجد ألذَّ طعمًا منها، حتى أتينا عليها كلها، وقلتُ في نفسي: صحيح دي لحمة محجوزة للحبايب.

*****

وبعد بضعة أشهر- وأنا في طريقي من القاهرة إلى المنزلة- عرَّجت على الجزار المشهور، وأخذني الذهول حينما وجدتُ دكانه مغلقًا بالشمع الأحمر، فسألتُ جيرانه لماذا تغلق الحكومة هذا المحل؟ فكانت الإجابة: بعد أن ثبت أنه كان يبيع لحم حمير.

فصعقتُ وبحركةٍ لا إرادية أخذت أمرر كفيِّ على أذنيّ، وحمدتُ الله إذ وجدتهما بحجمهما الطبيعي!، وكنت قد قرأتُ منذ سنواتٍ بحثًا لعالم مشهور يؤكد فيه أن الشكل الخارجي، والطبيعة النفسية تتأثر- شكلاً وموضوعًا- بنوعية الأكل الذي يتناوله الإنسان والحيوان.

ورأيتني أردد همسًا بيني وبين نفسي: لحمة للحبايب.. لحمة للحبايب. وكم من جرائم تُرتكب باسمكم أيها الحبايب!!.

وشدتني هذه الوقعة إلى الأوضاع التي نعيشها: فالذي قام به هذا الجزار النذل من غشٍّ ونهبٍ وكسبٍ حرام إنما يعكس طبيعة النظام القائم وملامحه، فوقعة “لحمة الحبايب” يكررها  النظام القائم كل يوم عشرات المرات:

1- فنرى الكذب والغش والادعاء المنفوش في شعارات من أطلقوا عليه الحزب الوطني  ومنها:  مصر بتتقدم بينا”، والضمير في “بينا” (أي بنا) عائد على الحزب الوطني.. حزب الأغلبية كما يدَّعون، وقد ثبت أن مصر تأخَّرت بهم تأخرًا رهيبًا، ومن عجبٍ أن يحمل السيد جمال محمد حسني مبارك على معارضي الحزب الوطني بقوله “إنهم يريدون أن يرجعوا بنا إلى الوراء 40 سنةً”.

والسيد جمال نسي أو تناسى أن مصر منذ 40 سنةً كانت تزهو بحرب الاستنزاف، ثم انتصار أكتوبر سنة 1973م الذي يُنسب إلى والده، ومن الشعارات المكذوبة الزائفة شعار: “من أجللك أنت”، وأنا أقول: إن الشعار صحيح 100 % إذا قُصد بالمُخاطَب (بفتح الطاء) أعضاء الحزب الوطني.

2- ومن التزويرات القاتمة ادعاء جمال بأنهم يرتقون بالألف قرية الأكثر فقرًا، وهي إحصائية زائفة ساقطة؛ لأن  مصر فيها عشرات الآلاف من القرى تعيش تحت خط الفقر.

3- ومن التزييف المرفوض ما يتردد دائمًا على ألسنة القائد الأعلى وحوارييه من أن مصر تعيش أزهى عصور الحرية والديمقراطية، ونسي هؤلاء أو تناسوا أن هناك عشرات الألوف من المعتقلين بلا محاكمات.

4- وعلى المستويين المحلي والعالمي شهد الجميع جنازة الحرية والعدل في تزييف انتخابات مجلس الشورى، وقد قالها أحمد عز: “إن الجماعة المحظورة حصلت على 88 مقعدًا في الانتخابات السابقة لمجلس الشعب، لا لمكانها وتأثيرها في المجتمع المصري، ولكن لأخطاء ارتكبها الحزب الوطني، ولن تتكرر هذه الأخطاء مرةً أخرى”.

وهذا يعني أن الإخوان لن يُسمح لهم بنجاح مرشح واحد في المستقبل.

5- وواضح أننا نعيش عصر اختلال المعايير: فاللصوصية جدعنة، ونهب الأرض إنما هو من قبيل إحيائها، وسوء الأدب إنما هو دفاع عن الوطن والمواطنين، والاعتراض على القوانين الجائرة إنما هو خروج على الدستور والنظام واستقرار المجتمع، وقد ضرب الأستاذ فاروق جويدة في (أهرام الجمعة 9/7/2010م) مثالاً بمصطلح الشفافية قال فيه: “من أكثر الكلمات تداولاً في حياة المصريين في السنوات الأخيرة كلمة “الشفافية‏”.. إننا نستخدمها الآن في كل شيء‏..‏ حين يتحدث المسئولون عن الانتخابات فإن الشفافية هي أول الشعارات التي تنطلق‏..‏ وحين يتحدثون عن الصفقات وبيع أصول الدولة، فإن الشفافية تسبق كل الكلمات‏..‏ وحين تحدث كارثة لأحد القطارات أو العبارات أو يسقط أحد الكباري التي لم يكتمل إنشاؤها‏..‏ تبدو الشفافية هذه الشماعة التي نُعلق عليها الكثير من الخطايا والأخطاء‏..‏ ولقد أصبحنا أمام ذلك كله نكره هذه الكلمة؛ لأنها بلا معنى أمام سوء استخدامها‏، وتمنينا لو سقطت من قاموس حياتنا‏.

*****
وبعد أن جُرِّد المواطن من آدميته، ومن حقوقه، ومن مكانته في وطنه، وأصبح رهين السجون، والبوابات السوداء، ويحاكم أمام القضاء العسكري، بعد كل ذلك، يُطلب منه أن يحمل الولاء للوطن وللحاكم، وأن يكون نموذجًا للإخلاص الدائم الذي لا ينقض.

وإن القلب لينزف دمًا وهو يرى الأطفال الصغار يتجهون إلى مقر المحكمة العسكرية؛ ليشهدوا آباءهم وهم يُقدَّمون لهذه المحاكمات، وذنبهم أنهم عاشوا أطهارًا مخلصين للدين وللوطن، فلفقت لهم التهم، وجُرِّدوا من حقوقهم الطبيعية في المثول أمام القضاء العادي، وحكامنا يقولون بلسان الحال عن هؤلاء الأشراف: (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) (النمل: من الآية 56)، ويعيش هؤلاء الأطفال محرومين من متع الحياة، بل ضروراتها، فبينهم وبين آبائهم سدود سوداء كجدران القبور، فحياة الأب وموته سواء.

وبعض هؤلاء الأطفال بلغوا سن الرشد، وما زال آباؤهم يعيشون في غيابة الجب، وأصبح من الأمور العادية جدًّا أن يحكم القاضي حكمًا نهائيًّا بالبراءة، ومع ذلك يصدر وزير الداخلية أمرًا باعتقاله؛ تنفيذًا لقانون الطوارئ؛ أي أن حكم الداخلية- وهو ظلم فاحش- أصبح أقوى من حكم القضاء، ومن البديهيات الإحصائية أن عدد أسرى الحكم المباركي يفوق عدد أسرى العرب والفلسطينيين في سجون الكيان الصهيوني.

وما زال مبارك والمباركيون- بمنهج لحمة.. ولكن للحبايب- يكذِّبون ويزيِّفون ويزوِّرون ويزعمون أن كل ذلك لمصلحة الشعب.. الشعب الذي يعيش في مصر أزهى عصور الحرية والديمقراطية!!!.

وهذا المنطق المباركي دفع رئيس تحرير “أخبار اليوم ممتاز القط” أن يحكي انتفاخًا صولة الأسد، فيقول بالحرف الواحد “الدعوة إلى التغيير أصبحت شعارًا يلوكه بعض أنصاف الساسة..”، وهو يعني شخصيات مثل الدكتور البرادعي والدكتور نافعة وقادة كفاية والإخوان.. فهل هؤلاء أنصاف ساسة.. يا قط؟؟!!!

ويقول القط: وفي تاريخ مصر الحديث،‮ ‬يرتبط التغيير بتولي الرئيس مبارك مقاليد الحكم في فترة عصيبة،‮ ‬أعقبت اغتيال الرئيس السادات؛ ‬حيث بدأ الرئيس مبارك أكبر عملية تغيير وتحول في المجتمع،‮ ‬سواء في الجانب السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي‮.‬…. (أخبار اليوم 10/7/2010م).

والمواطنون جميعًا- يا قط- يعلمون أن هذا التغيير تم ويتم لإحكام قبضة مبارك والحزب الوطني على كل صغيرة وكبيرة في وطننا المطحون، ولا عيبَ أن تذكرنا آليات هذه السيطرة الخانقة بحكايتي مع “لحمة.. ولكن للحبايب”، ولكِ الله يا مصر.

———–