الإثنين , 20 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

تحويل القبلة.. ودور الأمة نحو الأقصى

رسالة من: أ. د. محمد بديع- المرشد العام للإخوان المسلمين

الرسول القدوة والمسجد الأقصى:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد؛

فإن أحداث سيرة سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم لا تزال أنوارُها على الأيام تزداد تلألؤًا، وتفيض حياةً وبركةً، كلما أعاد الناسُ النظرَ في أحداثها ازدادوا إيمانًا ويقينًا، وكلما أرجع العاقل فيها البصر رجع مستضيئًا مستنيرًا.

ومن ذلك: حَدَثُ تحويل القبلة من المسجد الأقصى المبارك إلى الكعبة المشرفة، الذي يذكِّرنا بالقدس تلك المدينة المباركة التي يدور حولها هذا الحدَث العظيم، والتي تستصرخ ضمائرَ المسلمين وضمائرَ الأحرار في هذا العالم؛ لاستنقاذها من أيدي الصهاينة، الذين يغيّرون معالمها، ويطردون أصحابها، ويحاولون تزويرَ تاريخها، وطمس هويتها العربية الإسلامية، ولن يبلغوا مرادهم- إن شاء الله- ما دام المجاهدون في فلسطين يقبضون على سلاحهم، وما دامت الأمة من ورائهم داعمةً ومؤيدةً للحق الأصيل.

لقد أمر الله النبيَّ صلى الله عليه وسلم والمسلمين بالتوجه إلى بيت المقدس في الصلاة، ليجمع لهم القبلتين، واستمر ذلك أكثر من ستة عشر شهرًا قبل أن يأمرهم بالتحول إلى الكعبة المشرفة؛ ليكون ذلك تنبيهًا لهم على ما للمسجد الأقصى من منزلةٍ وقداسة، فلا بُدَّ للرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم وللأمة الوارثة من الحفاظ على هذه المنزلة والقداسة له، وحمايته من عبث العابثين الذين يسعون في خرابه ويمنعون بيت الله أن يُذكر فيه اسمه.

التوجه إلى بيت المقدس وعنه تربية للأمة على الانقياد لأمر الله:

كان لتوجيه المسلمين في البداية إلى بيت المقدس حكمةٌ تربويةٌ بالغةٌ أشارت إليها الآيةُ الكريمة ﴿وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ (البقرة: من الآية 143).

فلم يكن سهلاً على العرب الذين ارتضعوا حب البيت الحرام، وعدُّوه شعار مجدهم؛ أن يتجهوا بسهولة إلى قبلة أخرى غير الكعبة، لكنهم انقادوا لأمر الله، إذ لم يكونوا يعرفون إلا الطاعةَ لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وافقتْ أهواءهم أم لم توافقها، واتفقتْ مع عاداتهم أم لم تتفق، وهم الذين هدى اللّه ولم تكن كبيرة عليهم.

فلما امتحن اللهُ قلوبَهم للتقوى واستسلامَهم لأمر الله صرف الله رسوله صلى الله عليه وسلم والمسلمين إلى الكعبة، ليعود بالدعوة إلى أصلها، وهو عالميتُها القائمة على قواعد إبراهيم، دون تمييزٍ بين أبناء إسحاق (اليهود) وأبناء إسماعيل (العرب) ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67)﴾ (آل عمران).

ومثلما انقاد المسلمون للتوجيه الرباني إلى بيت المقدس انقادوا كذلك للتوجيه الرباني إلى الكعبة المشرفة، فقالوا: سمعنا وأطعنا، ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ (آل عمران: من الآية 7)، حتى إنهم تحوَّلوا إلى البيتِ الحرامِ في أثناء صلاتهم، بمجرد سماعهم بتحويل القبلة، وبعضهم في صلواتهم لم يُتِمُّوها، فكانت الصلاةُ الواحدةُ إلى قبلتين.

تعريف الأمة بأعدائها وحقيقة عداوتهم وحدودها:

لقد كان تحويلُ القبلة سببًا في تمييز المواقف، وافتضاح أمر الأعداء، وبخاصة اليهود وإخوانهم من المنافقين، الذين لم يألوا جهدًا في الشغب على الإسلام والمسلمين؛ فإنهم كانوا يتخذون من توجُّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس في الصلاة ذريعةً للاستكبار عن الدخول في الإسلام، والادِّعاء بأنهم هم الأصل، وكانوا يقولون: استقبل محمدٌ قبلتَنا، وغدًا يدخل في ديننا ومِلَّتِنا.

وعلى عادة اليهود في الأَثَرَة والأنانِيَةِ والعنصرية الجامحة كانوا يحبون أن يكون كلُّ مَجْدٍ لهم، فلما نزل الأمرُ بالتحوّل إلى البيت الحرام عزّ عليهم ذلك، ودفعهم الحسدُ إلى الانطلاق لمحاولة بث الفتنة، فأطلقوا أبواقَهم من المنافقين لإلقاء بذور الشك بين المسلمين في قيادتهم المعصومة، وفي أساس عقيدتهم الرشيدة السديدة، والادعاء بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم لا يتلقى الوحيَ من الله، وإنما يأتي بالدِّين من تلقاء نفسه.

وقالوا: إن محمدًا اشتاق إلى بلد أبيه ومولده، ولو ثبت على قبلتنا لكُنَّا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظر، وذهبت طائفة من زعمائهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريدون فتنتَه، وقالوا: يا محمدُ، ارجعْ إلى قبلتِك التي كنتَ عليها نتبعْك ونصدِّقْك.

وهذا يدل على أنهم انتهازيون لا يَجْرُون إلا وراء المصلحة، دون اعتبارٍ للعقائد والقِيَم، فهم كفروا بالرسول صلى الله عليه وسلم لمجرد أنه حوَّل وَجْهَهُ- بأمر ربه- إلى البيت الحرام، ناسين أن الأرض كلَّها لله، وأن الجهاتِ جميعَها واحدة بالنسبة لاطِّلاعه على عباده، ومن ثم استحقوا الوصف بالسفاهة ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142)﴾ (البقرة).

ومن دلائل سفاهتهم: ظنهم أن تلويحَهم له صلى الله عليه وسلم باتباعه وتصديقه كفيلٌ بإغرائه بالعودة إلى التوجه نحو بيت المقدس، وبذلك يبلغون غرضَهم المفضوحَ بتأكيد إنكار الوحي، وإثبات بشرية القرآن، وتأييد الأراجيف والإشاعات الكاذبة التي روّجوها، ويحققون حلمَهم وأمانيَّهم الحاقدةَ بصدِّ الناس عن الإسلام وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فأكد هذا الحدثُ خُبْث مقاصدهم، وكشف أن الحقد والهوى والتعصب للباطل يحملهم على أن يقولوا ويفعلوا غير ما يستوجبه الحق المعلوم، وأن موقفهم من الإسلام ونبيه ليس مُؤَسَّسًا على جهلهم بحقائقه أو عدم اقتناعهم بطرق عرضه، كما يتصور بعضُ المسلمين، فهم لا ينقصهم الدليل، إنما ينقصهم الإخلاصُ والتجرُّدُ من الهوى، والاستعدادُ لقبول الحق متى ظهر ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147)﴾ (البقرة).

ولهذا كان من واجب الأمة ألا تُلقي لشغبهم بالاً، وألا تتأثر بما يُلقونه من أباطيل وما يروِّجونه من أكاذيب ودسائس، وأن تشتغل بالعمل واستباق الخيرات، ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)﴾ (البقرة).

ما أشبه الليلة بالبارحة:

هل ترى أيها القارئ الكريم أي فرق بين ما صنعه أولئك اليهود وإخوانهم المنافقون وما يصنعه الصهاينة اليوم- ومن ورائهم الطابور الخامس في قلب أمتنا الإسلامية- في فلسطين وعلى امتداد العالم، من شقٍّ للصفوف، وتزوير للحقائق والتشكيك في الثوابت، وسعي لإلباس الحق ثوب الباطل، ونصب للفخاخ في طريق الوحدة الإسلامية، وزرع للأشواك على طريق التعاون العربي والإسلامي، وإرهاب إعلامي لكل المناصرين للحق والداعمين للمقاومة من مختلف شعوب الأرض، واستغلال للإمكانيات الهائلة لقوى الضغط العالمية، لتمرير مشروعهم الزائف على الرأي العام العالمي.

إن من واجب الأمة على كل المستويات- على مستوى الأنظمة، وعلى مستوى النخب الفكرية والثقافية وقادة الرأي وعلى مستوى جماهير الأمة- أن تتعلم هذا الدرس من السيرة النبوية المباركة، وألا تتلكأ في العمل الجاد لتحرير فلسطين كل فلسطين، وأن تدرك أن الصهاينة لا يعرفون غير الحيل والألاعيب وفنون المكر المختلفة في التعامل مع غيرهم، وأن العمل الصحيح هو تقديم الدعم الكامل ماديًّا ومعنويًّا للمجاهدين، والتبني القوي لمشروع المقاومة، من خلال:

1- التعريف بقضية فلسطين وجذورها التاريخية، وبيان حقيقة الصراع مع الصهاينة، وأنه يأتي من منطلق رد العدوان واسترداد الحقوق، وأن القضية قضية المسلمين جميعًا، وكشف خداع المصطلحات، وتكريس المعاني الصحيحة لها في أذهان الناس وعلى ألسنتهم، فالجهاد ومقاومة المحتل ليس إرهابًا، والعمليات الاستشهادية ليست انتحارًا.

2- التأكيد على أن لكل فرد من الأمة دوره في هذا المضمار، وليس لأحد حُجَّة في التخلف والتخاذل والتراخي.

3- مواجهة الإحباط واليأس الذي قد يتسرب إلى قلوب الجماهير، وبث الأمل في النفوس، والتأكيد على الثقة بالله سبحانه وتعالى، وإعادة الثقة بالنفس فرديًّا وجماعيًّا، وبقدرة الأمة على المواجهة الإيجابية.

4- الدعوة إلى تحويل المشاعر والعواطف تجاه ما يحدث في فلسطين إلى أفعال إيجابية ومؤثرة، وإشاعة روح الجهاد في الأمة، والتأكيد على أهمية التربية للفرد وللمجتمع، والتأكيد على أن هناك حسابات ومعايير أخرى للنصر، إضافة إلى الحسابات والمعايير المادية الظاهرية.

وحَرِيٌّ بالأمة اليوم أن تحسن قراءة حادثة تحويل القبلة، وأن تتعلم منها كيف تواجه أعداءَها وخصومها، وتبطل- بإذن اللّه- كيدَهم، حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله الله.

والله أكبر ولله الحمد.. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.