الإثنين , 20 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

حسن البنا.. الإمام الشهيد الذي عرفته

قبل أن تقرأ..

لم أعتد أن أعيد نشر ما كتبته قديمًا..

لكن لهذا المقال قصة..

كتبته في ذكرى استشهاد البنا إمامنا الشهيد، عقب خروجي من السجن بعد 5 سنوات عام 2000م، ونشر وقتها بجريدة (الحياة) ومجلة (المجتمع).

وقد قلت مرارًا إن مسلسل الجماعة للكاتب وحيد حامد سوف يثير تساؤلات عديدة حول الإمام البنا والإخوان المسلمين، وإن واجب الإخوان أن يقدِّموا أنفسهم إلى الناس، وأن يجيبوا عن تساؤلاتهم بالكتب والنشرات والأحاديث والمقالات وكل صور الإعلام.

لذلك أعيد نشر هذا المقال كما هو دون حذف أو إضافة؛ لعله يلقي ضوءًا على تلك الشخصية الفريدة ومنهجها وأثرها.

كيف عرفته وقد وُلدت بعد استشهاده ببضع سنوات؟!!

هذا هو السؤال الذي يجيب عليه هذا المقال.

وقد فرض هذا المقال نفسه على الكاتب فرضًا، ولم يكن لي خيار, ففي النفس مشاعر وأحاسيس، وفي الصدر كلام كثير أود البوح به لإخواني وأحبابي وأصدقائي وكل القرَّاء.

حصيلة سنوات خمس من التأمل والتفكير المتصل، والحوارات التي لم تنقطع مع إخواني رفاق المحنة وأصحاب السجن ومع غيرهم، فضلاً عن المشاهدات والانطباعات، غير الدراسات والقراءات بجانب المتابعة المستمرة للأحداث ووقائع الشهود والسنين والأيام.

فقد حلَّت ذكرى استشهاد الأستاذ المربي والإمام المجدد حسن البنا وفاءً لذكراه العطرة، وثباتًا على مسيرة الدعوة التي أرسى دعائمها، واستمرارًا لمنهجه الوسطي؛ تأتي هذه الكلمات التي مهما طالت فلن توفيه حقه.

كيف تعرَّفت على حسن البنا؟!

حرم جيلنا من التعرف المباشر على البنا، وتفتحت مداركنا وعقولنا، والحظر على أفكاره سارٍ، وكتبه ممنوعة، والجماعة التي أوجدها خلف الأسوار، وبعد الهزيمة البشعة في 1967م اتجهنا للبحث عن مخرج من مأزقنا الشخصي وحل لمشاكل الأمة التي وصلت إلى طريق مسدود، وكان الدين هو الملجأ والملاذ وتعددت المدارس المطروحة على الساحة، وكلها تقدم إسلامًا مجتزأ، لا يقدِّم الحل والمخرج.

بعضها متشدد لدرجة الخروج على المجتمع نفسه، وبعضها عالي النبرة جدًّا ينطلق من آفاق المحن والتعذيب.

وكانت هالات الشهادة تحوط الشهيد سيد قطب- رحمه الله-، فانطلقنا نغترف من كتاباته المهربة، “الظلال” و”المعالم” وغيرها.

وبعد سنوات قليلة وقع في أيدينا رسائل قصيرة منزوعة الغلاف، وبعد قراءتها أصبحنا كأننا عثرنا على كنز، هذا ما نبحث عنه.

وكان نشاطنا في الجامعة في أوجه، قبيل منتصف السبعينات وحولها، وكانت معسكراتنا الصيفية يحتشد فيها الشباب، وتتردد عليها الفتيات، ويحضر ندواتها الجمهور الغفير.

ووقع اختيارنا على بضع رسائل لطباعتها وتوزيعها على أعضاء المعسكر، ثم طباعتها للتوزيع العام في سلسلة كنا ننشرها “صوت الحق”.

وإذا كان لكتابات قطب الأثر البالغ في إشعال الحماس في صدورنا لهذا الدين؛ فقد كان لا بد من التعرف على كتابات البنا لتحقيق التوازن النفسي، فالتحليق وحده لا يكفي، ولا بد من النزول إلى أرض الواقع، وهذا ما تكفلت به رسائل الإمام الشهيد.

واستمرت صلتي بمجموعة رسائله وما نشر من كتاباته، وازدادت حاجتي إليها لتقديم رؤية إسلامية خالصة متوازنة عندما تتم دعوتي للحديث، وقدمت لي أيضًا أرضية لأنطلق منها في عملي النقابي والنيابي، وأساسًا يمكن البناء عليه.

وعندما جمعتني المحنة مع الأحباب، كانت حلقاتنا حول كلمات البنا للدرس والفحص والنقاش والمراجعة، ولا مانع من النقد، وساهمت هذه الحوارات في اكتشاف مزيد من الدرر الكامنة خلف هذه الكلمات القليلة التي تتميز بحسن الصياغة ودقة التعبير.

ما الذي جذبني إليه؟

كثير في صفات حسن البنا الشخصية وعلاقاته الإنسانية يحببه إليك كما حكى معاصروه، ولعله أحد القلائل الذين لم يختلف عليهم أحد في هذا العصر، ويجذبك إلى حبه ويأسرك في فلكه كتاباته البسيطة التي تندرج تحت عنوان السهل الممتنع، فتدخل إلى قلبك مباشرة؛ لأنها- غالبنا- خرجت من القلب.

ولذلك جذبني إليه:

أولاً: تمسكه بثوابت هذا الدين “الإسلام” عقائد وأخلاقًا وعبادات، ووضوح رؤيته في بناء نهضة هذه الأمة من جديد على ثوابت الإسلام وأصوله.

ثانيًا: التجديد في الوسائل والأساليب والانطلاق من فهم الواقع لتقديم الإسلام للناس، إسلام يوافق العصر ولا يصادمه.

ثالثًا: الوسطية والاعتدال والبساطة في حياته وكلماته.

رابعًا: التوازن في حياته بين بيته وعمله ودعوته وتنظيمه وعمله الوطني ونشاطه العام، وساعده على ذلك قدراته الإدارية العالية وتقديسه للوقت والاستفادة به وتوظيفه لطاقات من حوله، والرفع من شأنهم، وبناء ركائز للدعوة والوطن منهم، وتقديمهم في كثير من المجالات.

خامسًا: تعدد الجوانب في شخصيته، فهو الداعية والمجاهد والباحث والمربي والخطيب والسياسي والإداري والصحفي والفقيه… إلخ.

سادسًا: الإجماع الوطني على شخصيته، ويكفي موقف مكرم عبيد باشا أثناء وفاته وجنازته، وأن يظل الدكتور مصطفى الفقي يذكره في أحاديثه ومقالاته بالثناء الحسن باستمرار.

حاجة الشباب والعاملين للإسلام والأمة كلها إلى حسن البنا وأفكاره

هل انقطعت الحاجة إلى فكر حسن البنا وأساليبه بوفاته، ولم تنقطع مسيرة الجماعة التي أسسها “الإخوان المسلمون” بالرغم من توالي المحن على أفرادها في كثير من الأقطار؟!

الجواب: لا.

أولاً: يحتاج الوطن والأمة كلها إلى الأفكار التي دعا إليها البنا، والسبب واضح وبسيط، فقد تعثرت مسيرة النهضة التي بدأت منذ قرن من الزمان، وما زالت النخبة تتجادل حول نفس القضايا التي شغلتها مع مطلع القرن، وما زال طريق النهضة يحتاج إلى وضوح الرؤية، وصدقت الأيام كلام البنا؛ حيث قال: “إنكم سترون أمامكم طريقين، كل منهما يهيب بكم أن توجهوا الأمة وجهتها وتسلكوا بها سبيله، ولكل منها خواصه ومميزاته وآثاره ونتائجه ودعاته ومروجوه.

فأما الأول فطريق الإسلام وأصوله وقواعده وحضارته ومدنيته، وأما الثاني فطريق الغرب ومظاهر حياته ونظمها ومناهجها.

وعقيدتنا أن الطريق الأول طريق الإسلام وقواعده وأصوله هو الطريق الوحيد الذي يجب أن يسلك، وأن توجه إليه الأمة الحاضرة والمستقبلة”.

ويقول: “ليس في الدنيا نظام يمد الأمة الناهضة بما تحتاج إليه من نظم وقواعد وعواطف ومشاعر كما يمد الإسلام بذلك كله أممه الناهضة” (رسالة نحو النور).

ثانيًا: تحتاج الأمة كلها إلى فهم الإسلام كما قدَّمه البنا: الفهم الشامل المعتدل المتوازن؛ لأن الفهم هو منطلق العمل، وتحتاج أيضًا إلى ترسم منهج البنا في التضحية بالنفس والمال في سبيل تحقيق الأهداف الكبرى.

ثالثًا: يحتاج العاملون للإسلام والشباب المقبل بغزارة على الدعوات والحركات الإسلامية أكثر من غيرهم إلى ترسم خطى البنا في:

– الاتجاه نحو الإصلاح المبني على دراسات وبرامج للواقع بدلاً من الصدام معه، فالسعي نحو التغيير لا يمكن أن يهمل المنجزات الواقعية.

– الحس الإسلامي الوطني العالي الذي يمزج بين الإسلام وحب الأوطان، ويزن كل فكرة بميزان الإسلام، ثم يأخذ ما يوافق الإسلام، ويرحِّب بالصالح المفيد من كل دعوة ويتبرَّأ مما يخالف الإسلام.

– التدرج في العمل من أجل الوصول إلى الأهداف الكبرى؛ وذلك بعد الفهم الدقيق للظروف والمتغيرات وعدم مصادمة نواميس الكون.

– اعتماد البرامج والمقترحات وعدم الاكتفاء بالأقوال العامة والمرسلة، فمن يقرأ رسائل البنا يجده يقدم كثيرًا من الاقتراحات لأولي الأمر ويدعوهم لتنفيذها.

واجب الإخوان المسلمين نحو حسن البنا

إن حسن البنا ملكٌ للأمة كلها، وليس ملكًا للإخوان المسلمين، كان ذلك في حياته وأصبح ذلك مؤكدًا بعد وفاته.

وأول ما يجب تجاه البنا هو نشر تراثه الفكري: كتابة وخطابة، فمن الخطأ الشديد في حق هذا الإمام وهذه الأمة ألا تكون الأعمال الكاملة لحسن البنا بين أيدي كل الناس، وأن تتوفر للدارسين والباحثين بعد وفاته بنصف قرن، وقد نشر البعض منها؛ ولكنه لا يشفي الغليل ولا يروي الظمآن.

وأكثر ما تقر به عين البنا في آخرته أن تورق الشجرة التي غرسها وأن تثمر ثمارها الطيبة، ولا يكون ذلك إلا باستمرار مسيرة دعوته الكبرى، وذلك بانتشار فكرته وازدياد العاملين لها على نفس المنهج المعتدل الشامل المتوازن الذي يحافظ على الثوابت، ويحدِّد باستمرار في الأساليب والوسائل ويجتهد في الاختيارات الفقهية التي تناسب العصر.

وقد مارس الإخوان ذلك بعد أن صمدوا أمام المحن المتتالية، وخرجوا منها أقوى وأصلب عودًا، واختاروا اختيارات جديدة- غير اختيارات البنا- في موضوعين من أهم الموضوعات، وهما التعددية السياسية ودور المرأة في المجتمع؛ حيث اختاروا القول بحق المرأة في ممارسة الأنشطة السياسية ترشيحًا وانتخابات وتولي الوظائف العامة في المجتمع، مع القيام بدورها ووظيفتها التي لا يقوم بها غيرها في الحمل والأمومة ورعاية بيتها.

واختاروا الرأي الذي يساند تعدد الأحزاب في المجتمع دون قيود من السلطات، ومن أراد المزيد فليطالع الرسالة التي صدرت عن الإخوان حول “المرأة المسلمة في المجتمع المسلم والشورى وتعدد الأحزاب” التي صدرت في مارس 1994م شوال 1414هـ.

كما يحسن بالإخوان، خاصةً الشباب منهم؛ إعادة قراءة ما كتبه البنا ودراسته وفهمه فهمًا جيدًا؛ حيث يجيب على كثير من تساؤلاتهم، ويوضِّح لهم منهجهم المعتدل، وأن يلتزموا باختياراته في مجال العمل العام، ومنها مثلاً قوله حول نظام الحكم “لهذا يعتقد الإخوان المسلمون أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام، وهم لا يعدلون به نظامًا آخر”، ويقول عن الوطنية “من هنا كان المسلم أعمق الناس وطنيةً وأعظمهم نفعًا لمواطنيه، وكل مسلم مفروض عليه أن يسد الثغرة التي هو عليها وأن يخدم الوطن الذي نشأ فيه”، ويقول عن الوحدة العربية “ومن هنا كانت وحدة العرب أمرًا لا بد منه لإعادة مجد الإسلام وإقامة دولته وإعزاز سلطانه.

ومن هنا وجب على كل مسلم أن يعمل لإحياء الوحدة العربية وتأييدها ومناصرتها، وهذا هو موقف الإخوان المسلمين” (رسالة المؤتمر الخامس).

وفي الخاتمة.. يجب ألا ينقلب تقدير الإخوان المسلمين للإمام الشهيد حسن البنا إلى ما يشبه التقديس عند البعض، فلا يقبل مراجعةً أو نقدًا لبعض الأفكار، بل على هؤلاء المغالين أن يلتزموا خطة قيادة دعوتهم التي مارست المراجعة والنقد والتغيير كما سبق أن أوضحنا؛ فهذا هو منهج البنا نفسه الذي قدَّم الإسلام بصورة جديدة وشكل جذاب يناسب العصر الذي نشأ فيه، وكان محل انتقاد الجامدين على القديم الذين لا يراعون تغير الظروف والأحوال، وهذا هو نفسه منهج الإسلام العظيم الذي شرعه الله تعالى ليناسب كل العصور والأماكن.

رحم الله حسن البنا رحمةً واسعةً.. وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.. وأسكنه فسيح الجنات، مع النبيين والصديقين والصالحين والشهداء.

———–

بقلم: د. عصام العريان – عضو مكتب الإرشاد