الأحد , 19 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

يوسف طلعت …أسد الصحراء وعاشق الشهادة

إنه شعور غريب يصعب تصويره، ويعجز القلم عن تعبيره، إنه مزيج من مشاعر كثيرة، إنها هزة عميقة تهز كياني، إنها كلمات خالدة تلح على وجداني وجناني، إنه شعور بالخجل أن أكتب عن رجال باعوا أنفسهم لله، وقدموا أرواحهم فداء لدين الله.

وشهيدنا لا يعرفه كثير من شبابنا، ويغفل عنه كثير من الناس.

شهيدنا من نوعيات البشر التي إذا اقتنعت بفكرة وهبت لها نفسها، وضحت من أجلها.

إنه الشهيد يوسف طلعت “أسد حرب فلسطين والقنال”.

النشأة

فى محافظة هادئة تقع على المجرى المائي لقناة السويس نشأ شهيدنا وترعرع فى كنفها، وشرب من مائها واستظل تحت سمائها ورضع معاني الرجولة والجهاد من لبنها.

فى هذه المحافظة التي كانت محل أطماع الإنجليز لموقعها الحيوي على قناة السويس نشأة دعوة الإخوان المسلمين والتي خرجت رجالا عرفوا معنى العزة والرجولة الحقة من نوعية شهيدنا، قدموا الغالي والرخيص من أجل حرية أوطانهم محتسبين كل ذلك لله رب العالمين.

يوسف عز الدين محمد طلعت، ولد في شهر أغسطس 1914م، التحق بمراحل التعليم الأولية غير أنه لم يحصل سوى على كفاءة التعليم الأولي بسبب حالة الفقر التى التى نشأت فيه أسرته ولذا لم يستمر فى التعليم وخرج ليواجه الحياة العملية وليكن سند قويا لأسرته فتعلم مهنة النجارة وامتهنها في بواكير حياته، ثم عمل في تجارة المحاصيل الزراعية.

تميز بالجرأة، والحنكة والدهاء، وهدوء الأعصاب، والصبر، كما تميز بصفات الرجولة الحقة، وأكسبته نشأته طابع الجد، ومع ذلك كان يتصف بالدعابة والمرح، وكان خفيف الروح، مهذبًا لا تسمع منه كلمة نابية، بل كانت تصاحبه الفكاهة في أحرج المواقف، ومن النوادر التى وردت عنه أنه فى إحدى العمليات في حرب فلسطين خرج مع إخوانه لاستطلاع إحدى المواقع الإسرائيلية، وعندما اقترب من الموقع شاهد فى برج المراقبة جنديًّا وجندية إسرائيليين يقبلان بعضهما البعض، فالتفت إلى إخوانه وقال لهم: أتدرون لماذا يفعلون ذلك؟! لأنهما يعرفان أن الإخوان المسلمين يغضون أبصارهم، ومن ثم لا نتصيدهم، فضحك إخوانه، ثم أمر أحد القناصة أن يقتنص الجندى والجندية.

وكان يمثل ابن البلد المصري بكل ما فيه من بساطة وجرأة وشهامة، فلم يخش أحدًا، بل كان مصدر قلق للإنجليز فى الإسماعيلية، كما واجه جمال سالم بكل حزم وثبات أثناء المحاكمة عام 1954م، وكان سريع البديهة في الرد عليه أثناء محاكمته.

كما اتصف بصفة الزاهد فلم يعمل لنفسه قط، بل ضحى بكل شيء وتفرغ لدعوته.

الشهيد ودعوة الإخوان

كانت مدينة الإسماعيلية برغم هدوءها إلا أنها كانت تئن من وطأة الاحتلال البريطاني الذي أذاق أبنائها الذل والهوان، وبعدما انتقل حسن البنا إليها عام 1927م ليعمل مدرسا فيها بدأ تلقين تلاميذه مع دروس العلم، دروس الكرامة والعزة، وبدأ يعلم الكبار والصغار معًا دروس العقيدة السليمة، والعبادة الجادة، والعمل المثمر، والسلوك القويم، حتى بدأت بذور الإسلام تنبت في أرض كان قد حل بها الجفاف، وقلوب كانت قد سيطر عليها الجفاء.

عرف الشهيد يوسف طلعت منذ الصغر دعوة الإخوان، وأصبح من أول مريديها وقاصديها، ومن أكثر المترددين عليها ينهل من هذا المعين المبارك، ويتعلم منه أمور دينه. وعلى يد حسن البنا عرف يوسف الإسلام صافيًا من نبعه، نقيًا على فطرته، كاملًا لا يتجزأ، صلاة، وتجارة، جهادًا- في سبيل الله- لا ينقطع.

ارتبط اسمه بأول فريق للجوالة بالإسماعيلية وبين الحين والحين كان حسن البنا يقيم كتائب للعبادة، والذكر، والتهجد في الدار، وكان يوسف يحرص على ألا تفوته منها واحدة، حتى إن أباه كان يقفل باب دارهم، فيقفز يوسف من أسوارها ليصل إلى أستاذه.

ويقول إخوة يوسف: إن أباهم ظل في بادئ الأمر يحول بشتى الطرق بين يوسف – وكان في سن السادسة عشرة تقريبًا- وبين كتائب حسن البنا، ولقاءاته، حتى رأى في نومه الإمام حسن البنا ضاحكًا معاتبًا، فسعى إليه في اليوم التالي يسأله الانضمام إلى جماعته، وأن يقبل منه اشتراكه.

وتعلقت الأسرة كلها بحسن البنا الداعية المسلم، رأوا فيه الفهم فاتبعوه، والإخلاص فأحبوه، والتجرد فسلكوا طريقه.

ومن دلائل إيمان هذه الأسرة بسمو دعوة حسن البنا وجهاده، أن أم الشهيد يوسف طلعت وضعت صورة الإمام البنا في فناء منزلهم، تحدت بها قوى الشر في كل المحن التي تعرض لها يوسف، وتعرضوا لها مع يوسف. وطوال هذه المحن حاول من فتشوا دارها، واعتقلوا أبناءها، أن يرفعوا هذه الصورة من مكانها، فكانت تأبى إلا أن تعيدها؛ اعترافًا بجهاد حسن البنا، وتقديرًا لدوره في الإسماعيلية، وعرفانًا بفضله في تربية الناس على الإسلام الصحيح والجهاد الكريم.

كان يوسف شديد الحب والتعلق بالمعانى الجهادية -وقد كست الصحراء ملامحه شدة وقوة- فاهتم –مع الإمام البنا- بقضية فلسطين فمنذ اندلاع ثورتها المباركة بقيادة عز الدين القسام 1936م، قام بحشد الدعم المالي والسلاح، وتعريف الجماهير المصرية بقضية فلسطين من خلال الخطب والمحاضرات، وتوزيع الكتب والنشرات مثل كتاب “النار والدمار”، كما حرك المظاهرات فى بلدة الإسماعيلية ففي يوم جمعة – كانت ذكرى وعد بلفور- وبعد الصلاة همّ الناس بالانصراف، فوقف يوسف فيهم خطيبًا، يصرخ من أعماق قلبه “المسلمون نيام، وفلسطين تحترق” وهتف مكبرًا، واندفع إلى باب المسجد، والجمع خلفه في أكبر مظاهرة عرفتها الإسماعيلية، تندد باليهود، وبالحكام العرب، وكان حدثًا غريبًا، وكان من ضمن المقبوض عليهم بعد توزيع الإخوان المسلمين لكتاب “النار والدمار في فلسطين” والذي احتوى على المذابح التي ارتكبها الجيش الإنجليزي فى حق الشعب الفلسطيني وأفرج عنهم بكفالة بعد خمسة عشر يومًا، وتسابق أهل الإسماعيلية يدفعون عنهم الكفالة وقد عرف لدى الجهات الرسمية.

لم يكتف الشهيد يوسف طلعت بذلك، لكنه جاب المحافظات يعرف الناس بقضية فلسطين وما يحدث فيها، وكان ذو حركة دائبة ونشاط مما أثار حفيظة رجال المخابرات البريطانية، فرصدوا تحركاته، غير أنه كان بارع الذكاء؛ فكان كثيرا ما يفلت من الرقابة، كما كان في تجواله يعرف الناس دينهم وينشر تعاليم فكرته، واستطاع أن يجمع الشباب من بين صفوفهم، ويصقلهم على الإسلام، فكان يقيم كل شهر استعراضًا للجوالة يطوف به كل شوارع المدينة، وخاصة الشوارع التي كان يسكنها الأجانب، وكان يقول: “إن ذلك أفضل من كثير من الخطب السياسية التي يكتفي بها الزعماء، وهم يطالبون بالجلاء، وطرد المستعمر”.

شارك في إنشاء مزرعة الإسماعيلية؛ مساهمة في إصلاح الأرض، وتوفير المحصول، وكمكان طيب للاعتكاف، والعمل، والعبادة.

يوسف طلعت والنظام الخاص

النظام الخاص هو النظام الذي أنشاه الإمام البنا لعدة أهداف منها:-

1-محاربة العدو الانجليزى الموجود على أرض مصر، والتصدي له بالقوة وقد قام النظام بعدة عمليات ضد أهداف إنجليزية كان لها أثرا عظيما في انسحاب الإنجليز من مدن القاهرة والإسكندرية والتمركز في الإسماعيلية، ثم كان القوة الدافعة فى حرب القنال عام 1951م ضد الأهداف البريطانية مثل مخزن أسلحة أبو سلطان وتفجير القطار العسكرى الانجليزى.

2-التصدى لمحاولات الصهيونية فى السيطرة على فلسطين، فمنذ اشترك يوسف طلعت في النظام الخاص منذ نشأته فى بداية الأربعينيات، وأصبح من رجاله المخلصين، وكان أحد الذين يقومون على اختيار الأفراد المناسبين لإشراكهم فيه، وظل على وفائه لدعوته حتى بعد اغتيال الإمام الشهيد حسن البنا في 12فبراير 1949م.

وعندما أصبح المستشار حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين فى أكتوبر1951م، وعمل على تغيير قيادات النظام الخاص خاصة بعد فصل بعض قياداته من جماعة الإخوان؛ فقد قام بفصل الأستاذ عبدالرحمن السندى رئيس النظام الخاص والأستاذ محمودالصباغ والأستاذ أحمد عادل كمال والأستاذ أحمد زكى، بسبب بعض التجاوزات التي لم ترض عنها الجماعة بعدها أسند المستشار رئاسة التنظيم إلى الشهيد يوسف طلعت، وكان شخصية محببة إلى القيادة والقاعدة العريضة فى النظام الخاص .

كما كان يتسم بالهدوء فقام بمهمته خير قيام، وعمل على ترتيب أمور النظام وتنظيم أفراده، مما كان له عظيم الأثر أثناء قيام ثورة 23 يوليو 1952م، حيث عمل رجال النظام الخاص على مساعدة رجال الثورة من الضباط الأحرار فى تأمين الهيئات والمصالح والشركات من أن يُعبث بها، كما عملوا على تأمين مداخل القاهرة والتصدى لأية محاولة تبغى التخريب، أو القضاء على الثورة فى مهدها.

وقد ظل يوسف طلعت رئيسا للنظام حتى حادثة المنشية المزعومة يوم 26أكتوبر 1954م، والتى قبض عليه بعدها وقدم للمحاكمة.

جهاده فى فلسطين والقناة

كان الإخوان المسلمون جنودًا أبطالاً أدوا واجبهم كأحسن ما يكون في حرب فلسطين وحرب القنال، وكان يوسف طلعت من أبرزهم، حيث كان من أوائل الذين سارعوا للمشاركة فى الجهاد بفلسطين، وشارك فى مهاجمة المعسكرات اليهودية، كاشتراكه في معركة دير البلح، وقام بدور كبير في تلك المعركة حتى أخذ العجب القائد الإنجليزي لفعل وبطولات الإخوان، وقال عند تسليم جثث مقاتليهم للجيش المصرى: “لو أن عندي ثلاثة آلاف من هؤلاء لفتحت بهم الدنيا”؛ لأنه وجدهم جميعًا مصابين في صدورهم وليس فى ظهورهم، حتى أن اليهود كانوا يفضلون الانسحاب من أي معركة يكون الإخوان المسلمون طرفًا فيها.

تقول زوجته عن جهاده:” وفي أول مرة يخرج فيها كانت والدته حزينة جدًا لخروجه فقال لها ولعمته (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وأزواجكم وإخوانكم وعشيرتكم وأموالكم وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره) فقرأ عليهم الآية حتى لا يفزعوا من خروجه كثيرًا وما كنا نعرف عن سفره لفلسطين لأنه كان يسافر كثيرًا جدًا ولا يحضر إلا متخفيًا فقد كان من الأتقياء الأخفياء وكان لا يحب أن يعرف في أيام الجهاد ويقول مرحبًا يا أيام الله.”

كان يوسف طلعت يقوم بتدريب المجاهدين، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل كان يجمع المجاهدين من مصر ويذهب بهم إلى فلسطين، كما عمل على إعادة إصلاح بعض الأسلحة وصنع ماسورة مدفع هاون من مخلفات الأسلحة، مما كان لها أبلغ الأثر فى المواجهة مع اليهود.

ففي فلسطين انقلبت به وبإخوانه عربة، واستشهد من معه، وظل يوسف حيًا، فجلس يبكى، ويقول: لقد سبقوني بالشهادة، وفاز بها قبلي من كان لا يخشى الموت ولا يهابه.

كان يوسف طلعت عفيف النفس، صادق الإيمان، عرض عليه الكثير؛ ليترك موقعه، ويحيد عن طريقه، فرفض، وكان يقول: إن الإسلام يجري في عروقي مجرى الدم.

أصيب يومًا في يده، فخاط جرحه بخيط عادي، وإبرة من إبر الحياكة، وأخذ إجازة من الميدان طاف فيها القطر مع الإمام الشهيد البنا يواسي أسر الشهداء، ويجمع السلاح للمجاهدين، ثم عاد إلى الميدان. ومن المواقف التى تدل على شجاعته أنه كان يومًا يحاول نقل كمية من البنادق، فوضعها في جوالين من التبن، وحملها على جمل، وتنكّر في ثياب ريفية، وأحاطت به، وهو في طريقه – مجموعة من الشرطة العسكرية، وسألوه عن جهته، فأجابهم بأنه يقيم في المنطقة، ومعه تبن لماشيته، وصار يربت – في رباطة جأش – على رقبة بعيره، فانصرف رجال العدو، وغيّر يوسف من وجهته، ووصل بحمولته.

وظل متنقلا فى ساحات الوغى حتى اعتقل أثناء محنة 1948م وأودع سجن الطور،وذاق الإخوان المرارة فى المعتقل على عكس ما كان يحدث لليهود من النعيم يقول الدكتور الشرباصي في كتاب (مذكرات واعظ أسير):

“من الأحداث التي وقعت اليوم 25 إبريل سنة 1949م أنني رأيت مئات من الرجال والنساء والولدان، يمرون على أمتار من أسوار معسكرنا الشائكة، متجهين إلى الملحق الثاني المخصص لليهود، وقيل لي إنهم زوار اليهود، وأصدقاؤهم وأهلهم جاءوا ليسعدوا برؤيتهم وزيارتهم، وإمدادهم بالطيبات، وسألت: هل لنا مثل هذه الزيارات نحن المسلمين المصريين أهل الديار؟ قال محدثي: ستريك الأيام كل عجيب وطالت زيارتهم، وطال صياحهم وضحكهم، وقرعت أسماعنا أغانيهم التي يرددونها بالعبرية عند اللقاء، وعند الوداع، كنا نرى كل ذلك ونشاهده ونحسه، فنأسى ونتألم وتنفطر أكبادنا حسرة على بلاد ضلّ ولاتها، فجعلوها جنة للأعداء، وجحيمًا للأبناء”.

وظل به حتى أقصى الملكُ إبراهيمَ عبد الهادى من الوزارة فى 1949م، والذى عمل على تقويض حركة المجاهدين وتعذيبهم فى السجون.

لمثل هذا يذوب القلب من كمد

إن كان فى القلب إسلام وإيمان

خرج يوسف من المعتقل، فما هدأ، ولا أخلد إلى الدعة، بل ظل في طريق الكفاح، يهاجم المعسكرات الانجليزية، ويستولي على السلاح، ويحرض الشباب على خوض المعارك ويجمع كل المعلومات عن العدو.

وظل الشهيد يحلم بالشهادة فى كل مكان، وكانت روح الشهادة تسرى فى جسده، مما دفعه ذلك إلى الانطلاق -يرافقه زميله الشيخ فرغلى، بعد أن ألغى النحاس باشا معاهدة 1936م فى عام 1951- فى جمع المجاهدين وتدريبهم لمواجهة المحتل الإنجليزى، فقامت حرب العصابات فى القناة، وكبد المجاهدون المحتل خسائر كبيرة، وزلزلوا أركان ملكه حتى رصد الإنجليز مكافأة قدرها 5 آلاف جنيه لمن يأتى برأس يوسف طلعت ومحمد فرغلى، ولم يستطع أحد أن يفعل ذلك حتى قدمها عبد الناصر هدية بعد حادثة المنشية.

يقول الأستاذ كامل الشريف في كتابه القيِّم “المقاومة السرية في قناة السويس”: “إن من أقوى تشكيلاتنا السرية لمقاومة الإنجليز كانت في منطقة الإسماعيلية التي يرأسها داعية مُحنّك، عظيم الخبرة هو الشيخ محمد فرغلي، كما يساعده مغامر جسور هو يوسف طلعت، وعدد من الشباب المسلم الواعي، وقد سألني يوسف طلعت ظهر يوم ونحن على مائدة الغداء في منزل الشيخ محمد فرغلي: هل ترغب في زيارة أحد الجنرالات الإنجليز في منزله، وتناول الشاي على مائدته العامرة؟ فضحكت لهذه الدعابة، ولكنه أكدَّ لي أنه لا يمزح ولا يقول إلا حقاً، الأمر الذي أدهشني غاية الدهشة، ولكنه فسَّر لي الموضوع قائلاً: إن لديه أخاً مخلصاً يعمل في المعسكرات البريطانية ولا يعرفه أحد حتى الإخوان أنفسهم، وأنه وصل إلى مكانة عظيمة في نفس الجنرال الإنجليزي، مما يساعده على التجوّل في المعسكرات بحرية تامة، وأنه يحمل معه شهادة تمكّنه من دخول منزل الجنرال وكبار الضباط في أي وقت يشاء. وقال يوسف طلعت ـ غامزاً بعينيه التي تفيض منها الشجاعة والدهاء ـ: ألا ترى أن جولتك تبدو ناقصة مبتورة إذا أنت لم تَقُمْ بنزهة طويلة مع صاحبنا؟ والحق أنني أبديتُ تخوفي من هذه المغامرة، ولكن العرض كان مغرياً إلى درجة يصعب مقاومته، فقمتُ من فوري وقلتُ في حزم: غداً، فقال يوسف طلعت: غداً صباحاً إن شاء الله تعالى

قام يوسف طلعت بكثير من العمليات فى حرب القنال، فقد قام بالتخطيط لنسف مخازن الذخيرة فى أبى سلطان، وإعداد الشراك الخداعية التى أودت بحياة الكثير من جنود المحتل، وكبدته كثيرًا من الخسائر فى المعدات. وجمع السلاح لمحاربة الإنجليز في القناة بكافة الطرق والوسائل، وترك مهنة النجارة، وعمل في تجارة المحاصيل الزراعية، وتفرغ للدعوة، وكانت حرفته الجديدة تساعده على الانتقال والحركة، وجاب المحافظة كلها، وعرف كل أبنائها، وقراهم، ودورهم، وأنشأ الكثير من الشُعب، ووثّق الروابط بين الناس.

ومن خلال ذلك كان جمع السلاح سهلًا ميسورًا من معسكرات الاستعمار؛ لمحاربة الاستعمار بشتى صوره وأشكاله، حاصر الإنجليز الإسماعيلية أكثر من مرة يفتشون عن يوسف وعن الشيخ فرغلي، وخرج ذات مرة قبل أن يداهموا منزله يحمل طفلًا رضيعًا، فظنه الإنجليز عجوزًا مسنًا، فأمروه بالابتعاد مع المبتعدين، فتسلل في الظلام، وحين أبلغ الواشون الأمر لأسيادهم الإنجليز كان يوسف قد اختفى، وجاء الليل الدامس، ليعود يوسف مهاجمًا للمعسكرات فاتكًا بجنود العدو، مستوليًا على سلاحه.

جفف الإنجليز ذات يوم ترعة الإسماعيلية، ففوجئوا بجثث جنودهم تملأ قاعها، وأمام قسم البوليس جمعوا ثمانين جثة، ووضعت صور للشيخ فرغلي، ويوسف طلعت في كل مكان، ورصدت لرأسيهما المكافآت، أحياء أو أمواتًا.

وفي 9 يوليو سنة 1953م اختفى أحد رجال الطيران الإنجليز، ويُدعى (رجون)، فوجه الجنرال (فيستنج) قائد القوات البريطانية في مصر إلى وكيل محافظة الإسماعيلية بواسطة أحد ضباطه إنذارًا ! لقد أمرنا الجنرال (فيستنج) أن يهتم اهتمامًا بالغًا بحادث اختفاء أحد رجال الطيران المدعو (رجون) في 9 يوليو، وإني أبلغكم أن الجنرال يحتفظ لنفسه بحق اتخاذ أي إجراء يراه ضروريًا إذا لم يعد هذا الجندي مباشرة إلى السلطات البريطانية، وإذا لم يعد هذا الرجل في موعد أقصاه التاسعة من صباح الاثنين 13 يوليو، فستتخذ الإجراءات الشديدة التي من شأنها إحداث حالة ذعر خطيرة تمس المدنين المصريين في الإسماعيلية “.

وفي 14 يوليو سنة 1953م نشرت الأهرام: “أدلى الشيخ محمد فرغلي رئيس الإخوان بمنطقة القنال بالتصريح التالي: إن العمل الذي أقدمت عليه القوات البريطانية بالمدينة هو اعتداء على كرامة مصر، ودليل واضح على أن البريطانين قد فقدوا أعصابهم، فهم يتعجلون الكارثة، ويسرعون بالدخول في نزاع حاد سينتهي لا محالة بجلائهم عن المنطقة، وأرى أنه من دلائل إفلاس الساسة البريطانيين أن يتركوا الأمر في هذه الظروف لبعض العسكريين، وإذا لم يسارع المسئولون منهم بالانسحاب من المدينة، والتعجيل بوقف هذه التصرفات الطائشة؛ فإن ذلك سيحملهم خسائر فادحة، ونحن قادرون ـ بفضل الله ـ على تصفية الاستعمار البريطاني في هذه المنطقة، وسنختار الوقت الذي نضرب فيه الضربات الحاسمة، وعلى الرغم من التحدي الواضح من جانب البريطانيين فإننا نملك زمام أنفسنا، وأعصابنا أقوى من أعصابهم، وعزائمنا أمضى من عزائمهم، وسننتصر عليهم ـ بإذن الله ـ والله من ورائهم محيط.

ووسط حشود الإنجليز خرج ركب بسيط من الشيخ فرغلي، ويوسف طلعت طافا شوارع الإسماعيلية في عربة جيب، ليعلنا للمسئولين المصريين في المدينة أمام القائد الإنجليزي وقفة الإخوان المسلمين ضد الاحتلال وقواه وتصرفاته، وينذرا الإنجليز بالانسحاب من الإسماعيلية وإلا حشد الآلاف من المجاهدين؛ لخوض معركة فاصلة، فانسحب الإنجليز من شوارع المدينة.

محنته واستشهاده

تعرض يوسف طلعت للمحن والابتلاءات منذ التحاقه بركب الدعوة، فقد اعتقل فى مظاهرة بالإسماعيلية قادها للتنديد بالمجازر التى أحدثها الإنجليز فى فلسطين فى عام 1936م، وظل فى المعتقل ما يقرب من خمسة عشرة يوما حتى أفرج عنه ومن كان معه.

وبعد خروجه لم تفتر همته فجاب محافظات مصر يدعو لدعم القضية الفلسطينية ماديا ومعنويا، حتى اندلعت حرب 1948م فشارك فيها وأبلى بلاء حسنا حتى اعتقل على أرض المعركة فى عهد وزارة إبراهيم عبد الهادى والتى خلفت وزارة النقراشى –التى أصدرت قرارًا بحل الإخوان المسلمين واعتقال المجاهدين من أبنائها على أرض المعركة، وعقدت الهدنة مع اليهود وطاردت الإخوان فى مصر– فأرسل الإمام البنا برسالة إلى المجاهدين يحثهم على الجهاد، وأن لا يهتموا بما يحدث فى مصر فإن قضيتهم الأولى تحرير فلسطين من اليهود.

غير أن الأحداث سارت سريعة واغتيل الإمام الشهيد البنا فى 12 فبراير 1949م، ووصلت الأخبار للمجاهدين فى أرض فلسطين ، غير أنهم احتسبوا وظلوا فى جهادهم ضد اليهود حتى أصدرت حكومة عبد الهادى أمرًا باعتقالهم وإيداعهم فى سجن الطور، وظلوا به حتى أفرج عنهم، ولم تمض شهور حتى قاموا بمهاجمة الإنجليز فى القنال وكبدوهم خسائر كبيرة.

بعد اغتيال الأستاذ البنا ظلت الجماعة فى محنة ودون مرشد حتى اختير المستشار الهضيبى مرشدا عاما للإخوان فى أكتوبر 1951م، والذي كَلف طلعت بمهمة النظام الخاص واستطاع أن يقوم بدوره كقائد للنظام الخاص خير قيام حتى استطاع جمال عبد الناصر أن يحل الأحزاب وأن يصدر قرارًا بحل الإخوان أوائل 1954م، واعتقال قيادات الجماعة، غير أنه تراجع عن كل هذه القرارات أمام الهجوم الشعبى عليه والمظاهرات التى خرجت فى مارس 1954م، فأعاد الجماعة وأفرج عن المرشد ومن اعتقل معه، لكنه بيت النية للقضاء عليهم مرة أخرى؛ لأنهم كانوا يمثلون العقبة الكئود فى طريقه نحو الاستبداد بالحكم منفردا، فلم تمض سوى فترة بسيطة وحدثت تمثيلية المنشية فى 26 أكتوبر 1954م الذي دبره عبد الناصر بتخطيط المخابرات الأمريكية – وذلك باعتراف الضباط الأحرار أمثال حسن التهامى وكمال الدين حسين وغيرهم- حتى إنه وأثناء خطابه فى المنشية كانت المباحث العامة تعتقل الإخوان من بيوتهم وتزج بهم فى السجون، وعندما سمع يوسف طلعت بما حدث قال: “فعلها عبد الناصر”.

وقبض على يوسف طلعت وقدم لمحاكمة هزلية أمام جمال سالم –الذى كان أحد الضباط الأحرار، والذى طلب من الشهيد أن يقرأ الفاتحة بالمقلوب- وخرجت الصحف بقولها زورا وبهتانا: إن يوسف طلعت قد اعتقل في بيت كان ترسانة من الأسلحة.

وعذب يوسف إلى أن أصيب بكسر في عموده الفقري، وكسر في ذراعه، وشروخ في جمجمته، وشوه جسمه، وكان يؤمر بتعذيبه بين جلسات المحكمة، وطلب أكثر من مرة من جمال سالم رئيس المحكمة كرسيًا؛ ليجلس عليه، فكان يسأله في تبجح: لماذا؟ ألا تستطيع الوقوف؟ فيرد يوسف في إباء: اسأل نفسك.

وكان جمال سالم يحاول أن ينال منه، فظن أن في حرفة النجارة فعالة، فسأله: ماذا تعمل؟ فأجاب: نجار، فقال جمال سالم: كيف تكون رئيس جهاز فيه أساتذة الجامعة، وأنت نجار؟ فأجاب لقد كان سيدنا نوح – عليه السلام – نجارًا وهو نبي، فكبت جمال سالم وسكت. ورغم التعذيب والعذاب وقف يوسف وقفة السابقين من السلف فما وهن وما ضعف، وكانت مكافأته على جهاده وبذله وتضحياته الحكم عليه بالإعدام شنقًا!! وتقبله راضيًا، فرحًا، مستبشرًا.

وكانت أمه قد سألته أن يدعو على من ظلمه، فقال: يا أماه لا ندعو على أحد، بل ندع للناس بالهداية.

‘يقول الأستاذ محمد قطب :'(راجعت تاريخ التعذيب في البشرية فلم أجد نظيرا لتعذيب الاخوان في مصر اللهم إلا محاكم التفتيش في اسبانيا).

وحكم عليه بالإعدام مع خمسة من إخوانه، وهم: الأستاذ عبد القادر عودة، و محمد فرغلي، و إبراهيم الطيب، و هنداوى دوير، و محمود عبد اللطيف، ودعوا أمه لمقابلته قبل التنفيذ، فدخل عليها ضاحكًا فرحًا وسألها الناس عن شعورها، فقالت: كنت فرحة لفرحه، وكأنه يرى شيئًا لا أراه، وهو به سعيد، وكان يقول لي: يا أماه شهادة نلتها، وقد لبثت طوال عمري أتمناها”.

ونورد هنا ما كتبه الأستاذ أحمد حسين (زعيم حزب مصر الفتاة) عن أحد هؤلاء الشهداء والذى يؤكد ظلم عبد الناصر فى أخذ قرار إعدام هؤلاء الشهداء، فقد جاء فيه :” نحن الآن في عام 1954م أفرج عني وتنازلت عن القضية، ولكنني ظللت مجروحًا؛ فلم يحدث في كل تاريخي النضالي أن أهنت واعتدي علي كما اعتدي علي في ظل الثورة.

ووقعت الواقعة: أطلق الرصاص في ميدان المنشية على جمال عبد الناصر، وكان الضارب يُدعى محمود عبد اللطيف من الإخوان المسلمين، وعلى الرغم من أن عبد الناصر نجا فقد ظنَّ أنه أصيب في مقتل، وراح يثرثر بكلام فارغ يكشف عما في عقله الباطن، فراح يُخاطب الشعب بقوله: غرستُ فيكم العزة والكرامة.

واستغل هذا الحادث للبطش بالإخوان المسلمين، وتألفت محكمة خاصة لمحاكمتهم، وقضت على زعمائهم بعقوبات قاسية، وعلى الرغم من أن واحدًا منهم وهو عبد القادر عودة كان مسجونًا قبل وقوع الحادث فلم ينجُ من عقوبة الإعدام.

وفزعتُ من هول المحاكمة، ومن فظاعة أحكامها، وأدركتُ أننا أصبحنا نعيش في ظل عهد جديد؛ حيث لا قانون ولا حدود، وإنما إرادة الحاكم ومطلق مشيئته.

فقررتُ أن أهاجر من مصر، وإذا كان الوقت هو موسم العمرة، فقد قررت أن أسافر إلى السعودية طلبًا للعمرة، ومن السعودية أختار البلد الذي أتوجه إليه، وإمعانًا في التمويه والتعمية طلبت مقابلة عبد الناصر لأستأذنه في السفر، وبالرغم من أنني كنت مقررًا أن لا أتحدث في غير التحيات والسلامات والمجاملات العادية، فقد كان هو الذي دفعني للكلام، حيث لم أتمالك نفسي عن نقده.

سألني: وما رأيك فى الإخوان المسلمين ؟

قلتُ: إنك تعرف رأيي- أقصد الموقف الأخير- ووجدتني أندفع بلا وعي أندد بإعدام عبد القادر عودة..

لقد كان باستطاعتك أن توفر 50% من النقد الذي وجه إليك لو وفرت حياة إنسان واحد.

وأسرع يقول: تقصد عبد القادر عودة ؟

قلتُ: نعم. فإن عبد القادر عودة بريء من الحادث الذي وقع عليك، كما أنه بريء من أعمال العنف. ومضيتُ أترافع في حماسة: هناك ثلاثة أدلة يكفي كل واحد منها لتبرئة عبد القادر عودة، وقد ثبتت كلها أمام المحكمة:

الأول: أنه كان سجينًا قبل وقوع الحادث بعدة أسابيع.

الثاني: أنه اقترح من بعض الأعضاء القيام بمظاهرة مسلحة، فأنكر عبد القادر عودة هذا الاقتراح بشدة.

الثالث: أن البعض اقترح القيام بمظاهرة سلمية فرفض عودة القيام بأية مظاهرة.

وأصغى جمال عبد الناصر لمرافعتي ثم قال:

“والله يا أحمد نحن لم ننظر للأمر من الناحية القانونية؛ بل نظرنا إليه من الناحية السياسية”!!

غادرتُ مصر إلى السعودية وأنا لا أكاد أصدق أنني هربت من الجحيم الذي أصبح الأبرياء فيه يعدمون لأسباب سياسية”.

وداع شهيد

فى يوم حزين هو السابع من ديسمبر 1954م ارتفعت الرايات السوداء فوق سجن القاهرة ليعلن إعدام الإخوان الستة، وعلى المشنقة قال: “اليوم أقابل ربي هو عني راض، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، اللهم سامحني، وسامح من ظلمني”.

ثم دخلت مصفحتان وحملت جثمان الشهيدين طلعت وفرغلى ودخلت بهم الإسماعيلية فى حراسة الجنود، وقد منعوا الأهالى من الاقتراب من القبرين لمدة ستة أشهر حتى رفعوا الحصار عنهما.

وترك يوسف طلعت من خلفه ذرية بارك الله فيها وجعلها خير خلف لخير سلف، وبذلك طويت صفحة ناصعة لهذا القائد العظيم والمجاهد الشريف والذى عشق الشهادة فنالها، والذى قال يوم إعدامه: “اليوم ألقى ربى وهو عنى راض، اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون … اللهم سامحنى وسامح من ظلمنى”.

وبذلك انطفأت شمعة ظلت متوهجة تنير الطريق للمجاهدين، فنسأل الله أن يلحقنا بهم شهداء، إنه ولى ذلك والقادر عليه.


بقلم / الأستاذ : عبده مصطفي دسوقي