الأربعاء , 22 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

قراءة متأنية في وثيقة بابا الفاتيكان – د عبدالرحمن البر

قراءة متأنية في وثيقة بابا الفاتيكان

عن الوجود المسيحي في الشرق الأوسط

قراءة : أ.د. عبد الرحمن البر

مقدمة :

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه واهتدى بهداه.

وبعد؛ فهذه قراءةٌ سريعةٌ ومتأنيةٌ في الورقةِ الَّتي أعدَّتها حاضرة الفاتيكان لتكون ورقةَ عمل لمجتمع الأساقفة (السينودس) التى ستبدأ في روما يوم الأحد 10 تشرين الأول / أكتوبر 2010 ، بالاحتفال الرسمي بالقداس الإلهي برئاسة الحبر الأعظم، والمتعلقة بالوجود المسيحي في الشرق الأوسط.

مع أن لنا ملاحظات كثيرة على السياسة العامة للكنيسة الغربية الكاثوليكية حيال الإسلام بخاصة وحيال الشرق الأوسط بعامة ، خصوصا وأن البابا بنديكيت السادس عشر كانت له مواقف جد مسيئة للإسلام وللنبي صلي الله عليه وسلم، وادعاءات خاطئة حول النبي صلي الله عليه وسلم وحول ما زعمه من انتشار الإسلام بالسيف، وكان للأمة وعلمائها موقف واضح حيال الافتراءات التي تم ترويجها آنذاك.

صحيح أن الحبر الأعظم حاول تبرير موقفه والادعاء بأنه كان ينقل ما قاله غيره؛ إلا أن ذلك كان موقفا غير مقبول من البابا، وقد تم بيان ذلك في حينه.

كما أن تاريخ الكنيسة الكاثوليكية وقيادتها بزعامة البابا أوربان الثاني وخلفائه للحملات الصليبية على العالم الإسلامي ، وما أحدثته هذه الحملات من تخريب وتدمير وما خلفته من كوارث ومآس في البلاد التي احتلها الصليبيون ، والتي أصابت سكان البلاد الإسلامية جميعا بمن فيهم النصارى من بلاد الإسلام، كل ذلك حفر في الذاكرة الشرقية عموما والذاكرة الإسلامية بوجه خاص آثارا سلبية عميقة ، تحتاج إلى جهد حقيقي من الكنيسة الكاثوليكية إذا أرادت تبييض صحائفها المليئة بالدماء والأحقاد.

كما أن موقف الكنيسة الغربية الكاثوليكية من العدوان الصهيوني الهمجي على الأرض العربية في فلسطين هو موقف ضعيف متخاذل ، يقر للمغتصب بما اغتصبه، ويدعو الضحية للتسليم بمنطق القوة، والرضوخ للواقع، والتعايش بسلام (هكذا) مع جيرانهم (هكذا) اليهود، وأما المذابح الجماعية التي ارتكبتها العصابات الصهيونية إبان الاحتلال الصهيوني سنة 1948م ، ثم إبان الاجتياح الصهيوني سنة 1967م ، ثم في الاجتياح الهمجي لبيروت، ثم في العدوان الوحشي على الجنوب اللبناني ثم على غزة، فقد كان رد فعل الكنيسة الكاثوليكية الغربية ضعيفا لا يتناسب مع بشاعة الجريمة ، وبدا في بعض تلك الأحداث كما لو كان إبراء للذمة، أو ذرا للرماد في العيون. وكل ذلك يتنافى مع الموقف الأخلاقي المبدئي الذي ينتظر من أكبر هيئة دينية في أوربا والعالم المسيحي تحمل رسالة المحبة والسلام للعالم.

ثم كان موقف الكنيسة من المحافظين الجدد الذين أشعلوا ما سموه حربا صليبية جديدة ضد العالم الإسلامي موقفا مترددا، وكان ينتظر من أكبر الكنائس أن تعلن بصوت عال موقفا قويا وصارما ، وأن تقود حملة أخلاقية قوية في الاتجاه المضاد، تبرهن بها على حقيقة الموقف المسيحي الداعي إلى السلام والمحبة بين الشعوب، وترفع الغطاء الديني المسيحي عن الغزو الأمريكي غير الأخلاقي لأفغانستان والعراق .

ثم كان موقف الكنيسة الكاثوليكية الغربية محبطا إزاء السياسات والمواقف الغربية الاستعمارية والاحتكارية ضد ما سمي بالعالم الثالث، وبخاصة الشعوب الإسلامية.

كل هذا وغيره ترك بلا شك آثارا سلبية في نفوسنا نحن الشرقيين تجاه الكنيسة الكاثوليكية ، تحتاج إلى  تصحيح من الحبر الأعظم والكنيسة الكبرى.

ولعل هذا ما دعا رجلا وطنيا مثل العماد ميشيل عون (وهو كاثوليكي لبناني) إلى توجيه رسالة دعا فيها «الكرسي الرسولي لممارسة الضغط على الكيان الصهيوني لوقف تهويد القدس»، متمنياً على الفاتيكان «تعميم ثقافة الانفتاح لا التخويف والاقتراب لا الابتعاد». وقال العماد عون في رسالته: إن «المشرقيين ينتظرون من الفاتيكان وبما يمثله من سلطة روحية وقف محاولات أبلسة الدين الإسلامي، وأن تتم الدعوة إلى النظر للاسلام بجوهره ونصه الديني، لا من خلال مجموعات تكفيرية يرى المسلمون أنفسهم أنهم ضحاياها ولا تمت إلى دينهم بصلة، لأن تعميم مفهوم الارهاب الإسلامي سيؤدي إلى مزيد من عدم الإستقرار والى صراع حضارات لا نهاية له الا التدمير الذاتي للعالم» .

في ضوء هذه الحقائق وفي ضوء الآمال العقودة على الفاتيكان في إعادة تقييم موقفه من الشرق، واتخاذ مواقف أكثر انسجاما مع حقيقة الأديان عموما ، ومع رسالة المحبة والسلام التي جاء بها السيد المسيح عليه السلام؛ تأتي هذه القراء المتأنية للورقة الوثيقة التي قدمها الحبر الأعظم للمناقشة في اجتماع الأساقفة (السنودس) في روما في العاشر من أكتوبر 2010 ولمدةأسبوعين.

وقد تضمَّنت هذه الورقةُ عدةَ نقاطٍ إيجابية، مثلما تضمنت كثيراً من الأخطاء والمغالطات العلمية والتاريخية والواقعية التي يمكن أن نعدَّها سلبياتٍ كان يجب على من أعدَّ الورقة أن ينتبه إليها.

وفي البداية فإن هذه الورقةَ قد تعرضتْ للتعديل عدَّةَ مرات، ونحن في هذه القراءة المتأنية سنعتمد على الورقة الأخيرة الصادرة عن حاضرة الفاتيكان في يونيو /حزيران 2010 إبان زيارة البابا لقبرص، باعتبارها آخرَ ما صدر، وهي الموجَّهة إلى الأساقفة للمناقشة في اجتماعهم المشار إليه في أكتوبر 2010م.

اضغط هنا لتحميل القراءة كاملة