الجمعة , 24 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

د. عبد المنعم أبو الفتوح يكتب: إصلاحيون

هذا هو الشعار الذي بدأت به الحركة الطلابية هذا العام في الجامعات نشاطها وفعاليتها (إصلاحيون ونحب الخير لمصر)،

وخيرًا فعل الشباب بربطهم بين نشاطهم وحركتهم وبين حبهم لوطنهم، وحب الوطن وأهله فضيلة الفضائل التي يتقرب بها الإنسان إلى ربه.

نعم الاختيار إذن، ونعم الحركة هي التي يكون هدفها الإصلاح، خاصة في أوساط الشباب الذي تحوطه معوقات كثيرة تحول بينه وبين أن يعطي ويبذل لوطنه، فالجمود الذي غطَّى كل أنواع الحياة النشيطة في المجتمع بكل مكوناته، والسلبية التي انتشرت وأصبحت هي أقرب السلوكيات للناس، والنفاق والفساد الذي بات كأنه الأصل في المعاملات، وانتشار البطالة المصحوبة بغياب الأمل والهدف والمعنى. والأزمة الاقتصادية الخانقة التي تحاصر الناس في ليلهم ونهارهم. ناهيك عن المحيط الإقليمي الذي يجاورنا وتأثيره علينا، القضية الفلسطينية تباع وتشترى بعد أن غاب عنها قداسة المسعى والمطلب، رغم أنها أهم دائرة في دوائر أمننا الوطني، الكيان الصهيوني كل يوم يزداد شراسةً وغطرسةً، وواقع عربي معتم ليس به ما يدعو إلى الإحساس بالقيمة والهدف والأمل والفخر.

وسط كل هذه الانكسارات خرج الشباب في الجامعات المصرية يتواصلون فيما بينهم في كلياتهم وعبر الـ”تويتر” والـ”فيس بوك” ويتنادون بفكرة (الإصلاح) الذي يهدف الوطن، وأتصور أن زملاءهم أحسنوا استقبالهم والترحيب بهم. فهكذا هي فطرة الشباب المليئة بالحيوية والحماس والتجديد والأمل والرغبة الكبيرة في التغيير، وكل منهم يناديه صوته (سأحرث الأرض بمحراث جديد)، وهذه هي نعمة الشباب الكبرى في التطلع إلى الجديد الذي يحمل في داخله الأفضل والأحسن ورفض فكرة ليس في الإمكان أبدع مما كان، بل ما في الإمكان أبدع آلاف المرات مما هو كائن، فقط على ألا يحول أحد بينهم وبين تطبيق إمكاناتهم وطاقاتهم ورميهم بالاتهامات الباطلة، وزرع الريبة بينهم، وبين مجتمعهم، وهم بعد شباب غض على وشك أن يخرج للحياة يشارك في تحمل مسئوليتها.

الشباب إحصائيًّا هم ثلث سكان الوطن، ما يقرب من 35 مليون شاب تحت الثلاثين، لماذا نهدرهم ونعاملهم بهذه القسوة؟ لماذا نمنع نموهم الطبيعي في اكتساب الخبرات من خلال الخطأ والتجربة وتصحيح المسار بالرعاية الحنونة والإشراف الهادئ.

تروي الأخبار عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الشباب يبتغي حدة ذهنهم، وكان يقول إنهم (خلقوا لزمان غير زمانكم)، في لومه على من يريدون حمل الشباب على القديم من الأفكار والتصورات، ولو تتبعنا سير العظماء والقادة والمصلحين لوجدناهم جميعًا كانوا في سن الشباب الأول، ونعلم جميعًا أن الإسكندر الأكبر فتح الدنيا وهو في العشرينات من عمره، وكذلك كان أغلب المصلحين والقادة عبر التاريخ، دعوة الإخوان كان معظم قادتها في العشرين من أعمارهم في أهم وأقوى فترات نشاطهم واستشهد مؤسسها وهو في الأربعين.

إن أي أمة تريد أن تبنى مستقبلاً على أسس صحيحة يتجه أغلب جهدها إلى الشباب، وفتح مجال الحركة الواسعة أمامه لينفعل ويتفاعل مع عصرة وزمانه. أما أن يحاصر الشباب ويطارد ويضطهد ويعتقل، فهذا مما يخالف العقل والأمانة والأخلاق والمصلحة، دعوهم يخطئون ويجربون. وكلنا إلى جوارهم نسدد أخطاءهم ناصحين بالرأي والفكرة.

إذا لم يتعلم الشباب في الجامعات التفكير في شئون أمتهم ومجتمعهم، فأين يتعلمون؟ ومتى يتعلمون؟ وإذا لم يتعلموا الاختلاف الرشيد ويتنافسون فيما بينهم؛ فيفوز بعضهم ويخسر بعضهم، فأين يتعلمون؟.

أتوجه إلى قادة الجامعات عمداء وأساتذة أن يظلِّلوا على أبنائهم الطلاب بحمايتهم وتشجيعهم، وأن يستقبلوهم ويسمعوا منهم ويسددوهم وينصحوهم، ويمنحوهم (الحق في الخطأ)، كما يقول علماء التربية فإن يخطئوا وهم تحت رعايتكم خير للمجتمع والدولة من أن يخطئوا، وهم بلا رعاية.

لذلك كانت دهشتي من الموقف المخالف الذي اتخذته بعض إدارات الجامعات من شباب (إصلاحيون)، فبغض النظر عن انتماءاتهم الفكرية والسياسية هم أبناء هذا الوطن، ومن خيرة شبابه، فلم الإعراض والمخاصمة أنتم بذلك تزرعون بداخلهم صورة سيئة. عن معنى الأستاذية والريادة التي هي ضوء راشد ونور هادٍ، بل صورة سيئة عن فكرة احترام الكبير الذي أمرنا شرعًا أن نُجلِّه ونوقره، وعن فكرة القدوة التي هي أحد مكونات التربية الكاملة.

ادفعوهم في هذا الاتجاه الذي يحمل تطورًا مبشرًا بالخير وهم يقولون (نحب الخير لمصر) فلتعلموهم كيف يكون الحب؟ وكيف يكون الخير؟ وكيف يكون الإحساس بعظمة الانتماء إلى وطن بحجم مصر؟، (رأيت الفتى الكريم إذا رغبته في صنيعة رغبا) فلترغبوهم في كل صنيعة تبني بداخلهم قيمة ومعنى، ولترغبوهم في شمائل الأخلاق والفضائل من بذل وعطاء وشرف وصدق، أما أن تحاصروهم وتطاردوهم وتغلقوا في وجوههم الأبواب وتحرضوا عليهم أجهزة الأمن، فهذا- والله- خطأ كبير في حق الوطن ومستقبل البلاد.

وأنتم أيها الشباب فلتزدادوا تمسكًا بفكرتكم عن الإصلاح، ولتزدادوا تمسكًا بحبكم لوطنكم، فمصر الحبيبة تحتاج أمثالكم من الشباب الذي يعد بالكثير من العطاء والبذل والحب والتضحية.

بقلم د/ عبد المنعم أبو الفتوح.