الجمعة , 17 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

د رفيق حبيب : الإخوان والسياسة … محاولة للفهم (1)

لكل حركة اجتماعية أو سياسية اختياراتها الأساسية التي تحدد منهجها، وجماعة الإخوان المسلمين، تمثِّل حركة اجتماعية إصلاحية دينية، وهي بهذا ليست حركة سياسية حصرًا، ودورها لا ينحصر في المجال السياسي، وهذا في تصوري ما جعل الجماعة لا تعطي أولوية لمسألة الوصول للسلطة؛ لأن دورها المجتمعي الواسع، يساعد على تحقيق أهدافها، ويصبح من الممكن لها أن تحقق أهدافها بدون الوصول إلى السلطة، أو تجد نفسها في النهاية تحتاج إلى الدخول في مرحلة التنافس للوصول إلى السلطة، ولكن اختيار الجماعة العمل في المجال الاجتماعي والسياسي مع تأجيل مسألة التنافس للوصول إلى السلطة، يكشف عن أبعاد مهمة في منهجها الحركي، فالاعتماد على الإصلاح المجتمعي، أو إصلاح الأمة، بوصفه الركيزة الأساسية لتحقيق الإصلاح الحضاري الشامل، يجعل منهج الجماعة مستندًا على قوة المجتمع، وتصبح مصادر قوة مشروعها مرتبطة بتقوية المجتمع، وتبنيهًا للمشروع الحضاري الإسلامي، ويُفهم من هذا ضمنًا، أن بدون وجود تبني للمشروع الإسلامي مجتمعيًّا، وبدون مجتمع قوي قادر على فرض إرادته، لا يمكن تأسيس المشروع الإسلامي وضمان نجاحه.

لذا تعمل الجماعة على أساس أن قوتها مستمدة من قوة المجتمع المؤيد لها؛ ما يجعل حركتها تسير في نهج الإصلاح السلمي المتدرج، بدون أي خروج على الخطوات والمراحل الضرورية للحركة، وهو ما يجعل الجماعة تحذر من أي تعجل، يُعَد في تصورها قفزًا على المراحل، وتجاوزًا للتطور المتدرج للمشروع الإصلاحي الإسلامي، والجماعة بهذا ترى أن المجتمع القوي الذي يتبنى المشروع الحضاري الإسلامي، هو القادر على تحقيقه على أرض الواقع، وهو القادر على دعمه وحمايته، لذا لا تفضل الجماعة أن تصل إلى السلطة في ظروف قد تسمح لها بذلك، ولكن دون توفر القاعدة المجتمعية المؤمنة بالمشروع، والتي تدعمه وتحميه، وتتحمل تبعاته، فالمشروع الإسلامي يمثل بديلاً مختلفًا عن الحالة الراهنة، والتي تسيطر عليها الرؤى الغربية والإرادة الغربية، وهو يمثل استقلالاً حضاريًّا شاملاً عن الهيمنة الغربية، ويتضح من مواقف الجماعة، أنها معنية أولاً ببناء الأمة القادرة على تحقيق المشروع وتنفيذه؛ لأنه مشروع إصلاح شامل، وليس مجرد مشروع سياسي جزئي، ومعنى هذا أن الجماعة كحركة اجتماعية وسياسية، لا تقدر على تحقيق المشروع بمجرد وجودها في السلطة، بدون وجود الأمة التي تتبنى مشروع النهوض الحضاري، فالأمة في النهاية هي المكلفة بمسئولية النهضة.

إن صح هذا التصور، فإنه يعني أن جماعة الإخوان المسلمين، لا تريد أن تصل إلى السلطة بدون أن تتوفر لها القاعدة الجماهيرية التي تؤيد مشروعها الإسلامي، وتدرك أبعاد هذا المشروع، وتتقبل دفع التكلفة، وفي نفس الوقت فإن هذا يعني أيضًا أن الجماعة لا تريد المغامرة بمشروعها، فتصل إلى السلطة في وقت غير مناسب؛ ما يؤدِّي إلى فشل المشروع أو إفشاله، ولكن هذا النهج يواجه بعض التحديات، فتحديد اللحظة المناسبة لتنفيذ المشروع في المجال السياسي، تعتمد على العديد من الحسابات المعقدة، وقد تأتي فرص تناسب البدء في تحقيق المشروع الحضاري الإسلامي في المجال السياسي، ولكن تلك الفرص قد تنطوي على قدر من المخاطر، وبالتالي لا تُقبل عليها الجماعة، لأنها قد ترى أن المخاطرة عالية، وفي نفس الوقت سنجد أن جماعة الإخوان المسلمين وهي تعمل من أجل الإصلاح السياسي حتى يتم تحرير إرادة المجتمع لا تقدم نفسها بوصفها القوة الأولى أو القائدة لعملية تحرير إرادة المجتمع؛ لأنها تريد أن تكون عملية تحرير المجتمع، عملية جماعية تشترك فيها كل قوى المجتمع، ولا تكون فقط مسئولية الجماعة تقوم بها منفردة، أو تحتل فيها صدارة المشهد، وهو ما يعني أن جماعة الإخوان لا تريد تحويل عملية الإصلاح السياسي، إلى مواجهة مع النظام الحاكم بهدف تحقيق المشروع الإسلامي، ولكن تريدها مرحلة سابقة لذلك، تقوم على أساس إعطاء الحرية للمجتمع، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة عرض المشروع الإسلامي على المجتمع، وطلب تأييده.

وهنا تواجه الجماعة تحديًّا آخر، فقد تكون كل القوى السياسية غير قادرة بالفعل على تحقيق الإصلاح السياسي، وممارسة الضغط السياسي على النظام الحاكم لفرض الحرية والديمقراطية، وقد تكون القوى الإسلامية هي القادرة على تحقيق ذلك، خاصة إذا توحدت وفي الغالب من الصعب توحيد كل القوى الإسلامية، وفي نفس الوقت توحيد كل القوى السياسية في تحالف واحد، وهناك أيضًا تحدٍ آخر، فقد تكون غالب القوى السياسية، تعمل من أجل تحقيق ديمقراطية علمانية، لا تسمح بظهور المشروع الإسلامي، أو تعرقل ظهوره، وقد تواجه جماعة الإخوان المسلمين خاصة في مصر تحديًّا آخر، عندما تجد أنها القوة الوحيدة القادرة على الضغط على النظام الحاكم، وأن أي تحرك سيجعلها في صدارة القوة المطالبة بالإصلاح أو ربما تجد أنها القوة الشعبية الوحيدة التي تضغط لفرض الإصلاح السياسي.

وهناك بالفعل تحديات من هذا النوع، وهي تحديات تضغط على الجماعة في اتجاه تغيير خطتها، أو تفرض عليها ظروفًا تجعلها مخيرةً بين الاستمرار في خطتها، رغم ما قد يؤدِّي له هذا من تفويت بعض الفرص، أو تغيير نهجها بصورة تناسب الأوضاع التي تواجهها.
وكل تلك الظروف تتعلق بالحالة التي يصبح فيها أمام جماعة الإخوان المسلمين ظروفًا توحي بأنه من الممكن للجماعة إذا دخلت في مواجهة مع النظام، أو طالبت بالسلطة، أو دعت المجتمع إلى الخروج تحت قيادتها المباشرة من أجل الحرية، فإن الجماعة قد تحقق عملية تحرير إرادة المجتمع، ولكن قد تكون الظروف تسمح للجماعة بالخروج في الشارع لفرض التغيير، ولكن لا تسمح لها بالوصول إلى السلطة، أو تطبيق المشروع الإسلامي، فيصبح عليها إذا خرجت إلى الشارع من أجل التغيير، أن تسلم السلطة لنخبة أخرى، تسمح لها الظروف الدولية والإقليمية بالوصول للحكم في مصر.

كل تلك التحديات تتعلق بمدى قياس درجة المخاطرة، فكل عمل سياسي أو مجتمعي عام، وكل عمل إصلاحي ينطوي على قدر من المخاطرة، وجماعة الإخوان المسلمين أول من يعرف تلك الحقيقة، وأول من يدفع ثمنها، ولكن هناك مخاطر تتعلق بالضريبة التي يدفعها التنظيم والمنتمين له بسبب دورهم الإصلاحي، وهناك مخاطر أخرى تتعلق بمدى النجاح أو الفشل في تحقيق المشروع الإسلامي الذي تحمله الجماعة، وحسابات جماعة الإخوان المسلمين وربما بسبب الظروف التي مرت بها، تتسم بالدقة الشديدة والحذر أيضًا، لذا نجد أن الجماعة لا تلجأ إلى الطرق التي تحتمل النجاح والفشل، بالصورة التي قد تُفشل المشروع الذي تحمله، أو تعيدها إلى المربع الأول مرة أخرى، وهنا يكمن التحدي، فكل عمل عام يبغي التغيير، يمر بمراحل تتزايد فيها المخاطر، وهو ما يحتاج إلى حسابات دقيقة، بحيث لا ترتفع المخاطر إلى حدٍّ يهدد استمرار المشروع الإسلامي، ولا يرتفع الحذر على درجة تهدر فرص يمكن أن تدفع فيها الجماعة نحو الإصلاح السياسي، ونحو مشروعها الإسلامي.

ومن المشاهد، أن الجماعة ترفض منهج الثورة والانقلاب بالكامل، وهو ما يتوافق مع مشروعها لبناء النموذج الإسلامي من أسفل، ودون فرضه على المجتمع، كما أن الجماعة تبتعد عن الثورة والانقلاب؛ لأنها وسائل لتغيير السلطة، وليست وسائل لبناء مشروع للنهوض الحضاري، ولكن العمل من أجل الضغط على النظام الحاكم لتحقيق الإصلاح، يمكن أن يصل إلى مرحلة تقترب من العصيان المدني، وتكون مرحلة ضرورية، وهي شكل من أشكال الانتفاضة الشعبية، لذا لا يمكن تجنب لحظة المواجهة مع الحاكم المستبد بالكامل، وذلك تحدٍ آخر تواجهه الجماعة.

وإلى المقال القادم..