الإثنين , 20 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

الانتخابات.. رؤية دعوية

تظل الانتخابات في أية دولة أو مدينة أو قرية أو مؤسسة حدثًا استثنائيًّا وغير عاديٍّ، يترقبه الجميع ينتظر نتائجه، سواء كانت هذه الدولة أو المدينة أو القرية أو المؤسسة تتبع نظامًا ديمقراطيًّا يحترم رأي الناخبين، ويترجم إرادتهم ترجمةً سليمةً وطبيعيةً، أو كانت تتبع نظامًا يتخصص في تزوير إرادة الناخبين ووأد أحلامهم.

في الحالتين.. الحدث مهم وغير طبيعي ومؤثر، وسيظل حديث الناس موصولاً بعده بفترة ما، بدافع الفرح أو الدهشة أو الشعور بالظلم أ والحلم بالمستقبل.

في الحالتين.. تظل الانتخابات “دراما” حقيقية صادقة، ترى فيها البلاد من قمة الهرم؛ حيث السلطة التي تُخطط في اتجاه تريده، ومن سفحه؛ حيث الشعب البسيط الذي يحلم أن تتغير حياته إلى الأفضل، وبين هذا وذاك، تتجلى ثلاث مجموعات من القيم المختلفة:

ثلاث مجموعات من القيم

بمنظار الدعوة والقيم التربوية، نستطيع أن نرصد بعض القيم والسلوكيات الخاصة بالانتخابات، ونحن نرصد هذه القيم من واقع البلاد “الديكتاتورية” التي تحكم حكمًا فرديًّا، ونستطيع أن نقسِّم هذه القيم إلى مجموعات ثلاث:

الأولى: قيم تظهر واضحة وجلية على المجتمع في وقت الانتخابات.

الثانية: قيم يحتاج الدعاة أن يحملوها إلى المجتمع ضمن رسالتهم الإصلاحية.

الثالثة: قيم يحتاج الدعاة أن يتسلَّحوا بها شخصيًّا، كي ينجحوا في مهمتهم أثناء العملية الانتخابية.

المجموعة الأولى: قيم تظهر واضحة على المجتمع

1- السلبية:

معظم الناس لا يهتم بإدلاء صوته، ولا يعتبر أن هناك معنى لاستخراج بطاقة انتخابية والذهاب إلى اللجنة للتصويت على نتيجة معروفة مسبقًا، وهذه السلبية سببها الإحباط الذي أصدرته أجهزة النظام؛ حيث جعلتهم يؤمنون برسالة محددة، أنهم كائنات ليس لها قيمة أو دور أو رأي.

2- السطحية:

وهي قيمة تخرج من رحم السلبية، فالشخص الذي فقد إيمانه بجدوى الانتخابات، ويظل ينظر إلى الصراع الدائر حولها باندهاش أحيانًا أو حزن أحيانًا أخرى، لن يعنيه بالطبع ما أفكار المرشحين، وما آراؤهم ورؤيتهم للتغيير، وما خططهم لتحسين الأوضاع، وما برامجهم الانتخابية التي يعدون الناس بها؟ ويظل الناس يراقبونها ليحاسبوه عليها، طبيعي أن يتوارى كل ذلك؛ لحساب السطحية في التفكير والحكم العاطفي على الأشخاص.

3- العصبية القبلية:

من أسوأ السلوكيات الشائعة في الانتخابات وخاصةً في القرى والصعيد، أن يتم تحديد مستقبل البلاد ومصلحة الناس على أساس الانتماء للعائلة، بغض النظر عن صفات المرشح من تقوى وخبرة وفكر وثقافة وقدرة على الإصلاح، وهي عصبية ينكرها الإسلام ويردها إلى الجاهلية، لأنها تحارب الكفاءة والإخلاص وتهدم قيمة العدل والاجتهاد لحساب القرابة والمصالح الشخصية.

4- عدم قبول الآخر:

يظل دائمًا النظر إلى المنافس الانتخابي على أنه عدو، وبالتالي فالساحة مفتوحة على مصراعيها للكراهية والتنابذ والتآمر أحيانًا، وهو ما يحوِّل العملية الانتخابية إلى حرب، تخرج من معناها المجازي إلى معناها الحقيقي في بعض اللجان، والذي يتحوَّل فيها الجهل إلى بَطل؛ ليسقط قتلى وجرحى، ويعود السبب في ذلك، إلى عدم القدرة مطلقًا على قبول الآخر، وأن هذا الآخر له حق في المنافسة، وأن التنافس ينبغي أن يكون شريفًا، لأننا في النهاية أبناء وطن واحد، وتحثنا الأديان- على اختلافها- على التآخي والحب فيما بيننا.

المجموعة الثانية: قيم يحملها الدعاة لتغيير المجتمع

1- الأمل:

لكي يكون الناس إيجابيين فإنهم يحتاجون إلى الأمل، وإخراجهم من حالة الإحباط العامة التي صدَّرتها لهم أجهزة الدولة بسياستها التي تهمِّش الناس وتحتقرهم وتعتبرهم عالةً عليها ليس لهم حقوق، إن الناس تحتاج إلى شحنات متدفقة من الأمل في التغيير والإصلاح، ولا يأتي ذلك إلا عن طريق الحوار معهم، وإعطاء شحنات إيمانية متدفقة تشجعهم على الفعل، ودعوتهم أن يرتبط العمل بالثواب ورضا الله أكثر من النتيجة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها” (رواه البزار).

2- الإيجابية:

لا يمكن لمجتمع أن يغير من أحواله ويحسِّن من أوضاعه إلا إذا كان متسلحًا بروح الإيجابية، وهي صفة جعلها القرآن صفةً أساسيةً لخيرية أمة الإسلام، عندما تحدث عنها بمنطق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ حيث قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران من الآية 110).

وتصحيح الخطأ والوقوف بجانب الحق، هي نفسها الإيجابية التي تحدَّث عنها القرآن، وجعلها عنصرًا أساسيًّا في خيرية الأمة وتقدمها، وبدونها تكبر “الأنامالية” وتصبح وحشًا مفترسًا يقضي على أي أمل في الإصلاح.

إن الدين يدعو المسلم إلى أن يكون له رسالة، يعيش من أجلها، وليس هناك رسالة عند الله أعظم من الدفاع عن الحق ومواجهة الظلم وتحقيق العدل في المجتمع.

3- الأمانة في الاختيار:

يحتاج الناس أن يتعلموا أن الانتخاب شهادة أمام الله سيسألون عنها يوم القيامة، ومسئولية كبيرة سيحاسب عنها في يوم مشهود، كما أنه مسئولية أمام ضمائرهم وأمام أبناء بلدتهم، يحتاج الناس أن يتعلموا أن معايير الاختيار ينبغي أن تكون التقوى والخُلق والكفاءة والقدرة، لا العصبية والمصلحة والقرابة.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ﴾ (النساء: من الآية135)
ويقول تعالى: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ (الآية السابقة)

المجموعة الثالثة: قيم يحتاجها الدعاة

1- الإخلاص:

يضمن الإخلاص أن يتحرك الداعية بكل جوارحه في العمل، وأن يضع الله نصب عينيه دائمًا، وأن يكون قلبه مديرًا لحركاته، وأن يكون موصولاً بالله مراقبًا له، فتشتعل همته ويجتهد في مهمته، ويؤدِّي عمله بإتقان ولا يهدأ إلا إذا حقق ما يريد، وأن يساعد إخوانه ويتعاون معهم، أن ويتحرك دائمًا لمصلحة العمل، منكرًا ذاته رافعًا من قدر غيره.

قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: من الآية110)

2- الصبر:

سيعاني الدعاة كثيرًا من إحباط الناس وعزوفهم عن المشاركة، وربما اعتراضهم على شخصيات انتخبوها ولم تحقق ما يأملون، وعلى الداعية أن يتقبل رأي الناس بهدوء، وأن يصبر عليهم، وأن يقاوم شحنة الإحباط لديهم بإيمانه وثقته في الله وفي دعوته وفي نفسه
﴿إلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَـئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (هود: من الآية11).

3- الحوار:

على الداعية أن يفتح باب الحوار الموضوعي مع الجميع، ولكي ينجح هذا الحوار، ينبغي أن يكون الداعية متسلحًا بالثقافة والمعلومات، وأن يتميز الحوار بالواقعية والموضوعية والاعتراف بالأخطاء والإقرار بعدم المثالية، مع توضيح أن هناك تغيرات حدثت وإنجازات تحققت، وأن يضع أمام الناس المكاسب الاجتماعية والسياسية التي تحققت بالفعل، والتي قد يغفل الناس عنها.. قال تعالى ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: من الآية 125).

بالإضافة لكل ما سبق، فإن الانتخابات لها قدرة كبيرة على إكساب من يعمل بها مهارات نفسية واجتماعية متعددة، بالإضافة إلى زيادة الثقافة والمعرفة، فهي تنمي مهارة الحوار، والقدرة على التعارف، وتعود على الشجاعة والإقدام، وتدعو إلى القراءة والمعرفة؛ لكثرة المناقشات والرد على الشبهات والاتهامات، وتكسب علاقات مختلفة، وتكشف نوعيات البشر، وتعرِّف أفكار المرشحين وبرامج الأحزاب المختلفة، كما تعرِّف توجهات الدولة وطريقة تعاملها مع الشعب والمعارضين.

إن الانتخابات رغم قصر وقتها، إلا أنها تعد معملاً كبيرًا لقيم الإيجابية، يمكن التدريب عليها، وساعتئذ يصبح النظر للانتخابات من منظار الدعوة مكسبًا كبيرًا لها على كل الأحوال، بغض النظر عن إمكانية الفوز أو التعرض للهزيمة.

————-

بقلم: أحمد صلاح

* ahmedsalah1000@hotmail.com