الأحد , 19 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

وما زالت المؤامرة على العالم الإسلامي مستمرة

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن والاه.. وبعد؛

الصهاينة وراء أخطر مشروعات التقسيم في القرن العشرين:

كان من أسباب غزوة الأحزاب التي تجمعت فيها قبائل العرب المعادين للإسلام بقيادة قريش لاستئصال هذا الدين وأتباعه؛ خروج وفد من يهود المدينة المنورة برئاسة- حيي بن أخطب- إلى مكة وغيرها من ديار الجزيرة العربية، ليحرض قريش والقبائل الأخرى على قتال المسلمين وحصارهم والقضاء عليهم.

نفس الدور قام به “د. برنارد لويس” في هذا القرن، وهو صهيوني التوجه “أمريكي الجنسية” إنجليزي الأصل، ويعمل أستاذًا في جامعة “برنستون” الأمريكية، ومتخصص في تاريخ الطوائف الإسلامية ومشهور بعدائه للإسلام والمسلمين، وقد قدم مشروعه لتقسيم الدول الإسلامية، واعتمدته إنجلترا وأمريكا أساسًا لسياستهما في المنطقة منذ عام 1980م.

* وفي أثناء الحرب العراقية الإيرانية صرَّح مستشار الأمن القومي “بريجنسكي” في عهد الرئيس الأمريكي “ريجان”، أن المعضلة التي ستعاني منها الولايات المتحدة من الآن (1980م)؛ هي كيف يمكن تنشيط حرب خليجية ثانية تقوم على هامش الخليجية الأولى تستطيع أمريكا من خلالها تصحيح حدود “سايكس- بيكو”؟!.

* عقب إطلاق هذا التصريح بدأ “برنارد لويس” وضع مشروعه الشهير الخاص بتفكيك جميع الدول العربية والإسلامية، وتفتيت كل منها إلى مجموعة من “الكانتونات” والدويلات العرقية والدينية والمذهبية الطائفية.. وقد أرفق بمشروعه المفصل مجموعة من الخرائط المعدة تحت إشرافه، تشمل جميع الدول الإسلامية والعربية المرشحة للتفتيت بوحي من تصريح “بريجنسكي”.

* في عام 1983م وافق الكونجرس الأمريكي بالإجماع في جلسة سرية على مشروع “برنارد لويس”، وبذلك تم تقنين هذا المشروع واعتماده وإدراجه في ملفات السياسات الأمريكية الإستراتيجية، ومنذ ذلك التاريخ بدأ الترويج لفكرة النظام الشرق أوسطي؛ ليحل محل النظام الإقليمي العربي والإسلامي الراهن، وينزع العرب نزعًا من عروبتهم وإسلامهم.

مشاريع الهيمنة تتوالى على العالم الإسلامي

وفي ظل ضعف الأنظمة العربية، فإن قوى الهيمنة أخذت تتلاعب بمصير الأمة، وتتحايل على تكريس انفراطها وطمس هويتها، فكانت فكرة الشرق الأوسط الجديد تارة والكبير تارة أخرى من تلك الصياغات المفخخة التي تستهدف الهوية العربية والإسلامية للأمة، وتفتح الباب لإقحام الكيان الصهيوني وتعزيز شرعيته كدولة في المنطقة.

“الشرق الأوسط الجديد” فكرة صهيونية أطلقها “شيمون بيريز”، و”الشرق الأوسط الكبير” تطوير أمريكي لها دعت إليه إدارة الرئيس بوش بعد أحداث 11 سبتمبر، وبعد ذلك ظهرت فكرة الشراكة الأورومتوسطية لتشكل بابًا آخر من أبواب الغواية، وأخيرًا خرج علينا الرئيس الفرنسي ساركوزي في عام 2007م بمشروعه “الاتحاد من أجل المتوسط” الذي ضم 43 دولة، بينها 9 دول عربية، بالإضافة إلى الكيان الصهيوني.

لماذا بدأت مؤامرة التقسيم بالسودان؟

يعتبر السودان هو أكثر الدول العربية امتدادًا في جسد إفريقيا، وقد أعطته هذه الميزة بُعدًا إستراتيجيًّا عبر التاريخ وعبر الحاضر، فهو المعبر العربي والإسلامي إلى إفريقيا سياسيًّا وجغرافيًّا وحضاريًّا، وهو الجسر الذي تتعاون فيه الحضارتان الإسلامية والإفريقية بسبب موقعه الجغرافي، وبحكم تكوينه السكاني؛ حيث يتشكل السودان من أعراق متعددة يندمج فيها الجنس العربي والإفريقي؛ ومن ثم فإن الدعوة إلى تقسيم السودان المدعومة غربيًّا وصهيونيًّا ستمثل سدًّا منيعًا بين العالم الإسلامي والعربي وشعوب القارة الإفريقية؛ حيث من المعلوم تاريخيًّا أن أرض السودان منذ دخلها الإسلام هي الجسر الذي تعبر عليه الثقافة العربية والإسلامية إلى معظم الدول الإفريقية، وقيام تلك الدولة الجنوبية سوف يهدد هذا التواصل.

كما أن الغرب يتوقع- إذا ما انقسم السودان- أن يُحدِث انقلابًا خطيرًا في الوضع الإستراتيجي في المنطقة المحيطة به وفي وسط إفريقيا ومنطقة القرن الإفريقي، وفي السيطرة على البحر الأحمر.

التحضير لانفصال الجنوب

في أثناء زيارته للسودان، أعلن نائب الرئيس الأمريكي (جون بايدن) عن عزم الولايات المتحدة للاعتراف بدولة جنوب السودان إذا ما انتهت نتائج الاستفتاء على تقرير المصير إلى الانفصال، واكتملت الصورة بالتصريحات الروسية والصينية التي لا تخلو من دلالة على توافر الغطاء الدولي للانفصال، وأن الأمريكان والصهاينة حريصون على ذلك؛ حتى ولو لم تأتِ النتيجة على هواهم، وهذا ما حدث في العراق، ويجهز مسرح أحداث دول أخرى لنفس السيناريو، ولعل تصريح أوباما الأخير بأنه إذا لم يتم الاستفتاء فسيكون هناك الملايين من القتلى، وكأنه يحضر لمجزرة كبرى في الجنوب.

لقد أكدت صحيفة (واشنطن تايمز) أن أمريكا تقدم دعمًا ماليًّا سنويًّا، يقدر بمليار دولار للجنوب السوداني، وإن هذه المبالغ الضخمة تصرف في تدريب رجال الأمن، وتشكيل ما وصفه بجيش قادر على حماية المنطقة.

تحديات ما بعد الانفصال

هناك العديد من التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية يُتوقع حدوثها منها:

1- حرب بين الشمال والجنوب بسبب الاختلاف على ترسيم الحدود في منطقة “آبيي” الغنية بالبترول، والتي لم تحسم بعد.

2- أن تسرى عدوى الانفصال من الجنوب إلى حركات التمرد في دارفور، وجنوب كردفان والنيل الأزرق وربما شرق السودان.

3- ازدياد الضغوط الدولية على السودان في مجالات التعامل مع المحكمة الدولية الجنائية، ورعاية حقوق الإنسان بقصد الضغط على الحكومة حتى تستجيب لمطالب حركات التمرد الأخرى.

4- تقلص نصيب حكومة السودان من عائدات بترول الجنوب، والتي يبلغ حاليًّا 80%؛ ما يسبب مشاكل كبيرة لشمال السودان.

5- الخطر المائي حيث إن حصة مصر من مياه النيل تبلغ 55 مليار م3، مقابل 18 مليار م3 للسودان؛ وهو الأمر الذي ترفضه حركة التمرد في جنوب السودان، وترى أن حصة مصر كبيرة؛ ولذا تطالب باتفاق جديد، بجانب أنها تريد بيع مياه النيل والاستفادة منها، وسوف تسعى- بدعم صهيوني وأمريكي- إلى إقامة السدود لحجز المياه والتحكم فيها؛ الأمر الذي قد يسبب لمصر خسارة كبيرة، وخاصة بعد أن أصبحت مهددة بالدخول في دائرة الخطر المائي وحرب المياه.

ثم ماذا بعد الجنوب السوداني؟

سيكون انفصال الجنوب الخطوة الأولى في مشروع تغيير خرائط المنطقة، ولكي لا يبدو الأمر وكأنه مجرد مؤامرة صهيو-أمريكية قديمة، فإن العمل على قيام دويلة فلسطينية سيكون جزءًا من مشروع تغيير الخرائط، كي يكتسب فيها الكيان الصهيوني شرعية وجود، ويسمح للصهاينة بالانخراط في كل شئون المنطقة، وهذا يعني أن مصطلح الصهاينة الأعداء يُراد له أن يغيب ليظهر مكانه دولة يهودية مقبولة ومعترف بها في المنطقة.

إن إعادة تقسيم فلسطين بعد ظهور دولة جنوب السودان يمكن أن يضفى شرعية تلقائية على إمكانية تقسيم العراق كخطوة تالية، وقبله أو بعده؛ فإن محاولة فصل الجنوب اليمني عن شماله قد يكتسب زخمًا سياسيًّا أكبر، وما دام يشعر الجميع بأنه يمكن التعايش مع ظهور كيانات جديدة فإن العدوى يمكن أن تنتقل لتشمل دولاً أخرى.

ويبقى الأمل في نصر الله

على الرغم مما يحدث للمسلمين في السودان وفلسطين والعراق واليمن وكشمير والصين والشيشان وغيرها من بقاع الأرض؛ فإن ثقتنا ويقيننا في نصر الله يُهِّون علينا ذلك، ويدفعنا إلى العمل بجد ونشاط للأخذ بأسباب النصر، فالله تعالى يقول: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: من الآية 7)، والوحدة العربية الإسلامية الآن هي الحل الوحيد، ليتمكن المسلمون من الدفاع عن دينهم ومقدساتهم وأنفسهم وأعراضهم، وأوطانهم وثرواتهم، وحتى يستطيعوا أن يعيشوا ويواجهوا التكتلات العالمية السياسية والعسكرية والاقتصادية، وطغيان النظام العالمي الجديد، فبالوحدة يستعيدون هيبتهم وتفوقهم الحضاري، ويكون لهم الثقل الدولي الكبير الذي يمكنهم من صد الهجمات الشرسة المتتالية عليهم؛ لأننا نرى تداعي الأكلة على قصعتنا، باعتبارنا فريسة سهلة بسبب تفككنا، فهيا نتحد ونتعاون بدءًا من الشعوب، فهي صاحبة الكلمة، ثم لننتظر وعد الله لنا بالنصر والتمكين ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (55)﴾ (النور)، ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ (51)﴾ (غافر)، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: من الآية 30)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)﴾ (الأنفال).

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21).