السبت , 25 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

المشهد الانتخابي 2010م في مصر

د/ عصام العريان

وسط أجواء متشائمة حول توافر أية ضمانات جدية من جانب النظام الحاكم في مصر لنزاهة الانتخابات، يتم الإعداد خلال أيام لبدء عملية الترشيح ثم الدعاية ثم التصويت وإعلان النتائج للانتخابات البرلمانية 2010م.

ولا يرجع تشاؤم المتشائمين إلى نية النظام فقط لممارسة أكبر قدر من الضغوط ثم التزوير كي لا تفوز المعارضة بحصة كبيرة من مقاعد البرلمان قد يصل إلى نفس النسبة التي حققتها في برلمان 2005- 2010م، ولكن يمكن أن تفوقها بحيث تصل إلى ما هو فوق الثلث بما يعني قدرتها على التأثير في القرارات المهمة.

وضع المعارضة المصرية: نخبة فكرية وسياسيون مستقلون وأحزاب سياسية وقوى معارضة وحركات احتجاجية، يشهد انقسامًا شديدًا بحيث بات التنسيق فيما بينها عسيرًا أو صعبًا.

أحزاب الائتلاف الأربعة شهدت خروجًا لحزب الجبهة الديمقراطية، أحدث الأحزاب المصرية من الائتلاف بسبب إصراره على مقاطعة الانتخابات ثم أعلنت أطراف الائتلاف الثلاثة عدم قدرتها على التنسيق المشترك بين قوائمها التي بدأ الإعلان عنها (الوفد والتجمع والناصري).

الإخوان المسلمون أعلنوا قرارهم المرتقب بعد مشاورات طويلة، داخلية وخارجية وزيارات متتالية لشخصيات وطنية تطالب الإخوان بالاستجابة لمطلب مقاطعة الانتخابات، وكان القرار متوقعًا في ضوء إستراتيجية الإخوان الثابتة بالمشاركة في الحياة السياسية والعامة وكافة الانتخابات العامة، لتحقيق المصالح الوطنية المشتركة وفي ضوء خطة الإخوان للإفلات من الحصار الأمني المفروض على نشاطها بإحكام منذ ما يزيد على 15 سنة متواصلة ولتثبيت موقفها القاضي بالتغيير وفق الوسائل السلمية الدستورية وعبر صناديق الاقتراع بما يضمن الاستقرار والأمن لمصر وشعبها ورفض أية مغامرات تقود البلاد إلى الفوضى أو المجهول.

وقد أعلن الإخوان المسلمون ترحيبهم بأية مبادرات للتنسيق المشترك مع المرشحين والقوى السياسية الوطنية سواءً أكان على المستوى المركزي (الذي بات صعبًا) أو على المستوى الميداني في دوائر بعينها، ولذلك يرجئون إعلان القائمة النهائية للمرشحين حتى يتم ذلك التنسيق، وكذلك الالتزام بالنسبة التي حددها مجلس الشورى العام (في حدود 30%)، بما يعني أن عدد المرشحين النهائي لن يصل إلى أرقام كبيرة كما كان يتوقع البعض.

النظام يدفع البلاد إلى طريق مسدود، ويعطي للمغامرين حججًا قويةً، ويقدم للمتعجلين الذرائع المنطقية للقول بعدم جدوى سلوك الطرق الدستورية والقانونية من أجل الإصلاح والتغيير.

فقد تم خلال سنوات ثلاث التراجع عن كل ما حققته المعارضة من مكاسب توجت بالإشراف القضائي التام على الانتخابات عام 2005م؛ وذلك بالتعديلات الدستورية الباطلة التي أعادت عقارب الساعة إلى الوراء، وكان يمكن للنظام أن يقول إنه رغم عدوله عن الإشراف القضائي، إلا أنه سيقرر بإرادة سياسية واضحة إجراء انتخابات نزيهة وسليمة ذات قدر معقول من المصداقية، وكان عليه أن يترجم ذلك عمليًّا، إلا أنه أهدر كل الفرص خلال الانتخابات الثلاثة للمحليات ولمجلس الشورى لإثبات ذلك، بل أثبت العكس تمامًا.

وبذلك عادت الكرة إلى ملعب الشعب المصري والقوى السياسية الحية المعارضة للجهاد من جديد بكل الطرق الممكنة سلميًّا ودستوريًّا وقانونيًّا لحصار النظام وإجباره على التسليم بإرادة الشعب في انتخابات حرة وسليمة.

والبداية الحقيقية هي أن تنضم جهود كل القوى المعارضة بعضها إلى بعض وتتناسى ما بينها من خلافات ثانوية في البرامج التفصيلية لتتفق جميعًا على رؤية واضحة ومحددة للخروج بالبلاد من مأزقها السياسي، ولن ينضم الشعب إلى قوى متنافرة ومنقسمة ومتناحرة انشغلت بخلافاتها الداخلية أو فيما بينها وبين بعضها البعض.

لم يكتف النظام بذلك ولكنه مهّد للانتخابات القادمة بإسكات الأصوات العالية المنتقدة؛ وذلك لإرهاب بقية الإعلاميين والصحفيين في خطوات متلاحقة بدأت بحصار برنامج “القاهرة اليوم”، ومنع بث قنوات “أوربت” من القاهرة، ثم إسكات صوت إبراهيم عيسى من قناة “أون تي في”، ثم إخراج إبراهيم عيسى من رئاسة تحرير “الدستور” وتغيير السياسة التحريرية للجريدة بعد أن انتقلت ملكيتها لملاك جدد، ثم إغلاق قنوات عديدة كلها دينية “الناس، والحافظ، والخليجية، والصحة والجمال”، وإنذار آخرين ومنع رسائل المحمول الإخبارية ومنع البث المباشر للفضائيات إلا بعد تجديد التراخيص.. وهكذا توالت الإجراءات ليكمم الأفواه قبل الانتخابات البرلمانية من أجل التعتيم الكامل على كل مجريات الأحداث، وبات واضحًا أن الشهور القادمة حتى تنتهي الانتخابات الرئاسية ستكون صعبةً وعسيرةً ومليئةً بالمفاجآت وحبلى بالأحداث والتراجعات؛ مما يعني تقليص هامش الحريات المتاح الآن، وسيادة مناخ من الإرهاب البوليسي لملاحقة الناشطين والطلاب وكافة حركات الاحتجاج الشعبية.

وقبيل الانتخابات العامة البرلمانية شهدت الجامعات المصرية حملة قمع قاسية ضد الطلاب، ومنع للانتخابات الطلابية التي تمت دون منافسة؛ بعد شطب كل المرشحين المنافسين بحيث تم تعيين الاتحادات الطلابية بالتزكية.

إذن يتلخص المشهد السياسي قبيل الانتخابات البرلمانية في الآتي:

– مناخ دستوري قلّص أو ألغى الإشراف القضائي التام على الصناديق ومراكز الاقتراع.

– مناخ قانوني يطارد صور الدعاية المختلفة ويمنع صور المراقبة المختلفة.

– تعتيم إعلامي واضح على مجريات الأحداث الانتخابية.

– انقسام سياسي بين النخب السياسية والمعارضة وسط تلاسن لا محل له.

– حالة من الإحباط الشعبي بسبب موجة غلاء شديدة وتدهور في المرافق والخدمات.

أصبحت مصر أشبه بغرفة مغلقة تمتلئ بالغاز القابل للاشتعال، وتوشك أن تنفجر في أية لحظة.

الأمل الوحيد في إنقاذها يأتي بعد لطف الله بها في صحوة شعبية حقيقية تصرّ على استخلاص البلاد من المصير الذي وصلت إليه، والمنحدر الذي تسير إليه بسبب سياسات الحزب الحاكم ونخبة النظام المتحالفة مع رجال المال والأعمال.

هذا الشعب الصابر على مدار القرون قادر بعون الله تعالى على النهوض من جديد، ويحتاج إلى من يحفزّه على الإيجابية والمشاركة، وليس على الخروج من المشهد والمقاطعة.
هذا الشعب يحتاج إلى من يقوده للتغيير في مسيرة واضحة المعالم، وليس إلى من يصيبه باليأس والإحباط فيقعده عن العمل والإصلاح.

هذا الشعب يحتاج إلى من يقدّم له القدوة من نفسه في التضحية والثبات؛ فيصبر على طول الطريق، وليس في حاجة إلى من يتكلم ويتكلم فقط، ولا يثبت عند مواجهة الشدائد والصعاب.

هذه الانتخابات القادمة محطة من محطات عديدة، وليست المحطة النهائية كما يتصور البعض.

هذه الانتخابات فرصة لإحياء روح الإيجابية والمشاركة في صفوف الشعب؛ من أجل فرض إرادته الحرة ضد تسلط النظام.

هذه الانتخابات القادمة فرصة لمواجهة التسلط البوليسي والإرهاب الحكومي بالإصرار والعزيمة والاشتباك السلمي من أجل انتزاع ضمانات نزاهة الانتخابات.

لقد واجه المصريون من قبل في انتخابات برلمانية سابقة في أعوام 1976، 1979، 1984، 1987، 2000م نفس الظروف، واستطاعوا أن ينتزعوا مقاعد للمعارضة الحقيقية التي أقلقت النظام دون إشراف كامل للقضاء، وفي نفس الظروف الإعلامية والقانونية والسياسية.

تستطيع مصر في هذه الانتخابات أن تثبت للعصبة الفاسدة، والمفسدة أن إرادة الشعب من إرادة الله، وأن الشعب لن يتسول ضمانات حياد الانتخابات وأن إصرار القوى الحية على المشاركة هو إصرارها على منع التزوير وتزييف إرادة الناخبين، وهذه هي المعركة الحقيقية، وليس مجرد كشف فساد النظام أو فضحه أمام العالم، يجب أن يسعى شعب مصر بكل قوة لمنع التزوير وإبطال النتائج المترتبة عليه لنعطي الأجيال القادمة أملاً في انتخابات حرّة يحققها هو بإرادته الحرّة.