الجمعة , 24 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

هل هي مشكلة شعار انتخابي؟!

بقلم: د. عصام العريان

حملة تحريضية واسعة تدبجها أقلام كتاب “لجنة السياسات” و”الفكر الجديد” في مختلف الصحف: القومية (الحكومية) والخاصة، وفي برامج الحوارات الليلية ضد شعار “الإسلام هو الحل”.

ولا تحترم تلك الحملة عقول المواطنين ولا حتى مشاعرهم الدينية؛ فهي تريد في النهاية تحويل الانتخابات البرلمانية العامة إلى ما يشبه الانتخابات الطلابية، تقوم فيها لجنة الانتخابات العليا بشطب المرشحين المنافسين الأقوياء ضد الحزب الوطني تحت أية ذريعة ولأي سبب، وهم في ذلك لا يفهمون حتى القانون الذي يتحدثون عنه، فالقرار بالشطب هو قرار محكمة إدارية عليا، وليس مجرد طلب أو قرار من “اللجنة العليا للانتخابات” التي يطالبونها ليل نهار بشطب المرشحين من الإخوان المسلمين حتى قبل بدء الانتخابات، وبدء مرحلة الدعاية، والمحكمة وقضاؤها لا بد أن يستندا إلى أمرين قبل أن يحسم القضاة أمرهم، ويحكموا ضمائرهم:

الأول: إسناد الفعل إلى المرشح نفسه أو أحد أنصاره وليس إلى أية جهة أخرى تريد أن تقوم بشطبه لمصلحتها، كالحزب الوطني مثلاً، وهذا أمرٌ يصعب إثباته، وقد طلبت أمانة الحزب الوطني في انتخابات الشورى الأخيرة للتجديد النصفي شطب المرشح أشرف بدر الدين، نائب أشمون، رغم أنه لم يستخدم شعارات دينية، وكان الوحيد الذي طلبوا شطبه، ولم تستطع أمانة الحزب الوطني إثبات استخدامه للشعار أو عدم كيدية الطلب، بل رفضت اللجنة العليا في عام 2007م رفْع الأمر إلى المحكمة الإدارية العليا أصلاً؛ لعدم جديَّة الطلب وصعوبة الإثبات.

الثاني: تجريم الفعل نفسه، وهو ما يستحيل إثباته أيضًا ليس فقط لمجرد أن الدستور ينص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، وأن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، كما يدَّعي بعض المنتسبين زورًا إلى الفكر والكتابة، بل لأن الأصل هو حرية التعبير وتكافؤ الفرص، وحقوق المواطنة التي يصدِّعون بها أدمغة الناس، وهذه تقتضي بالضرورة حق كل مواطن في طرح أفكاره على الجمهور؛ لإقناعهم بها، وشرح برنامجه الانتخابي على الناس، وفق المرجعية التي يؤمن بها، وهذا لا بد فيه من تمايز بين المرشحين وكتلهم الانتخابية.

ولأن الإسلام عقيدة وشريعة، دين ودنيا، أخلاق وعبادات، وهو مرجعية الأمة كلها، ومصدر عزِّها وفخرها، وأصل حضارتها التي تستند إليها منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان؛ فلا يمكن حظر الدعوة إليه أو المطالبة بتطبيق أحكامه، وتنفيذ تعاليمه، وإحياء شعائره، وحقائقه في حياة الناس.

لذلك ينطلق المزوِّرون مباشرةً إلى هدفهم الحقيقي، وهو إقصاء الإسلام عن حياة المصريين، بينما هو الضمانة الحقيقية لأمنهم واستقرارهم؛ لأن الإسلام يحترم كل ما سبق من أديان، ويحفظ لكل الناس حقوقهم المتساوية أمام القانون والشريعة، وهو الحصن الأخير الذي يلجأ إليه غير المسلمين عندما يشعرون بالظلم والاضطهاد، وهم الذين شاركوا في صنع حضارته العظيمة.

يقول هؤلاء المزوِّرون إننا يجب أن نبعد السياسة عن الدين، ونبعد الدين عن السياسة، ويعيدون قولةً قديمةً انتهت إلى بوار “لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة”، بينما أصبحت عقيدة المصريين جميعًا مسلمين ومسيحيين أن الدين لا يمكن أن ينفصل عن السياسة، وحتى المسيحيين الذين يقول إنجيلهم: “دع ما لقيصر لقيصر، ودع ما الله لله”؛ أصبحت الكنيسة ورأسها وقساوستها هم الذين يتصدَّون للسياسة، ويشجِّعهم على ذلك ضعف الدولة أمامهم، وتخاذلها في تطبيق القانون، سواء لصالحهم أو لصالح غيرهم.

فأي بهتان ذلك؟ أحلالٌ لغير المسلمين ما لا يحله لهم دينهم وعقيدتهم، وحرامٌ على المسلمين أن يتمسكوا بعقيدتهم وشريعتهم؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أفلا تعقلون؟!

هؤلاء يريدون عودة عقارب الساعة إلى الوراء، بينما الدين يحكم حياة الناس، حتى في البلاد العلمانية، والدين يوجه سياسة الحكام في بلاد مثل أمريكا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، التي يتشدقون بنظمها وطريقة حكمها، والدين محلُّ تقدير واعتبار حتى في الهند التي لا تعرف دينًا سماويًّا ويحكمها الهندوس.

وينسى هؤلاء أنهم في هذا التوقيت يسمعون طبول اليهود تدقُّ من حولهم، تطالب العرب والمسلمين بالاعتراف بيهودية الدولة الصهيونية التي لا شرعية لها، وقامت على الاغتصاب والظلم والعدوان.

دولة استقرت منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان على إسلامها وعقيدتها التي حفظت وجودها وتماسكها، يريدون سلخها من تلك العقيدة والهويَّة، وحولهم وبجوارهم دولة لقيطة لا أساس لها إلا أوهام في عقول أصحابها؛ لا نسمع منهم إلا همس اعتراض عليها، بل نسمع الثناء الحارَّ على قادتها مجرمي الحرب ومصَّاصي الدماء.

الإخوان المسلمون ليسوا تجار شعارات، ولو كانوا طلاب مغانم ومحترفي انتخابات لسارعوا في مرضاة الحكام، ولسعوا إلى الاتفاق معهم على حصص المقاعد، كما فعل آخرون من تجار الساسة الذين يغيرون مبادئهم وفق اتجاه الريح، ويتشدقون بشعارات لا تسمن ولا تغني من جوع، وبارت في أسواق المصريين الذين لا يحرِّك مشاعرهم إلا دينهم وعقيدتهم، ولا يحفِّزهم للعمل والإنتاج والبذل والتضحية إلا إيمانهم العميق بالله تعالى وباليوم الآخر.

هذا الحزب الفاسد المفسد الذي خرَّب الحياة في مصر كلها، سياسيًّا واقتصاديًّا وفكريًّا ونفسيًّا لا يقوى على المنافسة الحقيقية، ولا يملك لغة يخاطب بها الناس، ويتقدم بها إلى الشعب، وتقلّبت بين عدّة شعارات تنذَّر عليها الناس.

ولو أنه قادر على المنافسة لقدَّم شعارًا حقيقيًّا مقابل شعار حقيقي، وبرنامجًا مقابل برنامج، ومرشحين أمام مرشحين، ولقبل بوجود إعلام قوي يكشف الحقائق للناس، ولما سعى إلى إطفاء الأنوار ليستطيع التزوير بعيدًا عن العيون الفاضحة، ولترك المراقبين من أي مكان- وبخاصة من مصر- يباشرون حق مراقبة اللجان وكل مراحل الانتخابات، ولترك للقضاء حق الإشراف الحقيقي على التصويت والفرز وإعلان النتائج.

وهذه اللجنة العليا للانتخابات التي لم نعد نسمع عنها إلا عندما يطالبونها بشطب المرشحين المنافسين الأقوياء؛ لو أنها لجنة حقيقية لكان أول مطالبها استلام العملية الانتخابية كلها، بدءًا من كشوف الناخبين إلى استلام أوراق المرشحين، إلى إعداد مقار التصويت من الإدارة العامة للانتخابات في وزارة الداخلية التى تقوم بكل مهامِّ الانتخابات في كل مراحلها، ولو أن النظام جادٌّ في إجراء انتخابات نزيهة أو حتى شبه نزيهة لقام بإلغاء تلك الإدارة، وتسليم العملية الانتخابية كلها إلى اللجنة العليا للانتخابات بعد تفويضها وتمتعها بكل الصلاحيات، بينما يقول المستشار رئيس اللجنة الشيء ونقيضه في حواره مع جريدة (الشروق).

إن تلك الأصوات النشاز التي تعلو الآن ضد الإخوان المسلمين وضد هويَّة الأمة، وضد شعار “الإسلام هو الحل” لا تدرك عمق المأزق التي تقود إليه البلاد عندما تحول الانتخابات العامة إلى انتخابات طلابية أو حتى انتخابات محلية، بلا معنى ولا طعم ولا منافسة حقيقية، وأنها بذلك ستجعل مجلس الشعب كله بالتعيين والتزكية، كمجالس الاتحادات الطلابية والنقابات العمالية والمجالس المحلية.

إن السير في ذلك الطريق يعني إلغاء مؤسسة البرلمان تمامًا بعد أن كان هناك أمل في إصلاحها، وبالتالي قطع السبيل أمام أي إصلاح سياسي جاد عن طريق المؤسسات الدستورية بعد تفريغها من حقيقتها، وهنا تكون الطامة الكبرى عندما ييأس الناس والشباب من التغيير والإصلاح بالطرق الدستورية السلمية.

هؤلاء لا يريدون منع الشعار، أو إقصاء تيار إسلامي، بل يريدون منع أية منافسة جادة وحقيقية في ملعب حددوا أبعاده، ووضعوا قواعده، ولو كانوا جادين حقًّا لسألوا أنفسهم: من قتل الحياة الحزبية في مصر؟ ومن أعلن موت السياسة؟ ومن الذي أضعف الدولة وصنع قوانين يفصِّلها كي لا يحترمها؟ ويهدر أحكام القضاء ولا ينفذها، وجمَّد النقابات المهنية، وأمَّم النقابات العمالية والمجالس المحلية، ومنع الانتخابات الطلابية.

لا يمكن شطب تيار عريض من المصريين يؤمن بالإسلام عقيدةً وشريعةً حضارةً وثقافةً، ويطالب- عبر المؤسسات الدستورية- بتطبيق أحكامه في الحياة، ويقدّم البرامج التفصيلية لذلك، لا يمكن إلغاء مثل ذلك التيار من الحياة السياسية، ولا من الحياة العامة، ولا من الوجود، فقد حاول ذلك زعماء وحكومات واستعمار واحتلال، وفشلوا جميعًا.. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21).. ويا قوم: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (121) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (122)﴾ (هود).