الأربعاء , 22 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

خمس وقفات مع وقفة عرفات

أ.د. عبد الرحمن البر

أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر وعضو مكتب الإرشاد

وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

الحمد لله رب العالمين، لا إله إلا هو  رب الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأرضين، ومالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله، رب الأولين والآخرين وأشهد أن محمد عبد الله ورسوله، إمام العابدين، وسيد الراكعين الساجدين، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الظلمة، وهدانا الله به من الضلالة، وبصرنا به من العمى، وأرشدنا به من الغي، فلم يترك باب خير إلا دلنا عليه، ولا باب شر إلا حذرنا منه، فنسأل الله تعالى أن يجزيه عنا خير ما جزى نبيا عن دعوته، ورسولا عن أمته ورسالته، اللهم صلى وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن دعا بدعوته وسر بسيرته إلى يوم الدين،

أما بعد أيها الإخوة الأحباب المسلمون،  فنحن اليوم في يوم هو أفضلُ أفضلِ الأيام،  فهذه الأيام العشر هي أفضل الأيام عند الله عز وجل، عشر ذي الحجة، بنص حديث المصطفى r  قَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ» فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ،وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِr: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» ([1]).

وفي رواية عند الطبراني في الكبير: «مَا مِنْ أَيَّامٍ يُتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ فِيهَا بِعَمَلٍ أَفْضَلَ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ»([2]) .

وفي رواية عند الدارمي :« مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلاَ أَعْظَمَ أَجْراً مِنْ خَيْرٍ تَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ الأَضْحَى » ([3]).

فهذه الأيام أفضل الأيام، وأفضل هذه الأيام الفاضلة هذا اليوم، يوم عرفة، هو خلاصة هذه العشرة التي هي خلاصة السنة، فهو أفضلُ أفضلِ الأيام، ولذلك احتسب نبينا r صيامه كفارة لسنتين، فقال:«صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» ([4])،وقال^: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ»([5]) 

لماذا أفضل الأيام يوم عرفة؟ لأنه اليوم الذي ينزل فيه ربنا  تبارك و تعالى ويتجلى على أهل الموقف ، وتفيض على الخلق رحمتُه ونعمتُه، ويزيد عطاؤه جل وعلا ، لدرجة أن عدوَّ الله وعدوَّ المؤمنين إبليسَ يشتد غيظه، ويزداد ضيقه، لكثرة ما يرى من خيرٍ وبركة ورحمة في هذا اليوم العظيم.

ولي مع حضراتكم في يوم وقفة عرفات عدة وقفات، نستلهم فيها بعض الدروس والعبر، والمعاني حتى نحقق أفضل الأجر في أفضل يوم، وحتى يكون لنا من بركة الله في هذا اليوم نصيب، ومن رحمته تبارك وتعالى حظ.

 

أول هذه الوقفات: يوم المباهاة وصفات من يباهي الله بهم الملائكة:

يقول الحبيب r : “إن الله ليباهي بأهل الموقف أهلَ السماء، يقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبادي، أتوني شُعْثاً غُبْراً ضاحين من كل فجٍ، يرجون رحمتي ولم يَرَوْا عذابي، أشهدكم أني قد غفرت لهم([6]).

في هذا اليوم يباهي الله ملائكة السماء، بأهل الأرض، لكن بمن يباهي؟ هل يباهي باللاعبين واللاهين والعابثين والمضيعين والمقصرين والكسالى والنائمين عن صلاة الفجر، والنائمين عن الأجر؟

ومن يباهي؟ إنه يباهي أهل السماء، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، هو يباهي خلقا لا يفتر عن العبادة لحظة، يباهي الركع السجود من الملائكة، يباهي الذاكرين من ملائكة السماء، والنبي r يبين لنا كيف أن الملائكة في حالة عبادة مستمرة، فيقول     «أطَّت السماءُ  وحُقَّ لها أن تَئِطَّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد»([7]) .

هؤلاء الملائكة الذين لا يفترون عن العبادة،  ولا يتوقفون عن الطاعة يباهيهم الله اليوم بفئة من خلقه، فما صفات هذه الفئة؟

أول صفاتهم: أنهم جاءوا قاصدين وجه الله، فما ذهبوا إلا لله، وما زاروا إلا ابتغاء مرضاة الله، وما كلفوا أنفسهم الأموال، وترك الديار وترك الأهل وترك الأعمال، إلا ابتغاء وجه الله، وكأن الحق تبارك وتعالى يقول لنا معاشر المسلمين: أخلصوا في عملكم لله؛ حتى تكونوا أهلا لمباهاة الملائكة في السماء، أخلص في صيامك ، في صلاتك، في طاعتك، في صلة رحمك، في فعل الخيرات، في إيتاء الصدقات، فهؤلاء استحقوا أن يباهي الله بهم لأنهم قصدوا وجه الله.

ثاني صفاتهم : التواضع والتذلل لله: إنهم أتوا ربهم شعثاً غبراً ، وما معنى شعثاً غبراً ؟ ليست شعورهم مسرحة ولا مرجلة ولا نظيفة، وليست ثيابهم لامعة ولا مكوية، إنما هم في حالة من الرثاثة والبذاذة، وقشف الهيئة، كأنهم يعلنون التذلل لله- صورة المتذلل الضارع.

أنت حينما تريد أن تسأل أحدا من العباد شيئا تذهب له في هدوء وسكينة، وتتوجع وتتأوه وتقدم المقدمات الدالة على احتياجك وضعفك، حتى تلين قلبه لك، فكيف إذا كنت تسأل رب العباد؟

حينما يقول لنا “شعثا غبرا” فهو يريد أن يقول لنا: أيها الناس تواضعوا لي وتذللوا لي، وتمسكنوا بين يدي.

الصفة الثالثة: “يرجون رحمتي” : هؤلاء الذين يستحقون المباهاة يريدون رحمة الله ويفرون من عذاب الله، هذا سر مباهاة الله لأهل السماء، بأهل الموقف.

فأين نحن من هذه المعاني العالية السامية، أين نحن من قصد وجه الله في أحوالنا وأعمالنا وأقوالنا، وأمورنا كلها؟ أين نحن من التذلل له وترك الكبر والإعجاب بالنفس؟ أين نحن من التواضع بين يدي الله؟ أين نحن من الرجاء في رحمة الله، والخشية من عقاب الله؟

إذا فعلنا هذا كنا أهلا لأن يباهي بنا ملائكة السماء، وتلك وقفة أولى، علينا أن نجتهد لأن نكون أهلا للمباهاة، فالله لا يباهي بنا كسالى ولا قاعدين ولا نائمين، إنما يباهي بنا مجتهدين، يباهي بنا ركعا ساجدين ]لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً [ [النساء/95]

إنما نكون أهلا للمباهاة وفي هذا اليوم الطيب الكريم إذا أحسنا العمل، إذا وصلنا رحما مقطوعة، إذا صدقنا في الصيام، إذا سالمنا من خاصمنا،  إذا تركنا خصوماتنا،  إذا أصلحنا ما بيننا وبين الله، إذا تركنا كبر النفوس،  إذا تركنا الإعجاب بالنفس، إذا تركنا التكبر على الخلق، كنا أهلا لأن يباهي الله بنا الملائكة، نسأل الله أن يجعلنا كذلك.

 

الوقفة الثانية: غيظ الشيطان في يوم عرفة:

يقول لنا الحبيب r : «مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلاَ أَدْحَرُ وَلاَ أَحْقَرُ وَلاَ أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلاَّ لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، إِلاَّ مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ»([8])

يقول الشيطان وقد غاظه أن يرى الرحمات تتنزل: يا ويلي، أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِيَ النَّارُ.

إن إغاظة أعداء الله في حد ذاتها عمل صالح، أن تعمل عمل فيه غيظ لعدو الله، يكون عليه أجر غير العمل نفسه، يعني إذا صليت قاصدا وجه الله، ونويت أن تغيظ الشيطان الرجيم الذي يصدك عن الصلاة، فلك أجر بنية الإغاظة للشيطان، هذا أمر في غاية الأهمية يغفل عنه كثير من الناس، فالشيطان معنا كرجل -أجارنا  الله وإياكم -قليل الأدب، واقف على طريق المسجد،  يريد أن يمنع الناس من الصلاة، فكلما مرَّ به إنسان شمه، وسبه وآذاه،  وأراد أن يشغله بالسباب والشتيمة، والمراجعة والجدال، والخصومة عن الذهاب إلى الصلاة، ما هو أفضل شيء يمكن أن يعمله الإنسانُ ضد هذا العدو اللئيم؟ أن يسرع إلى المسجد، وأن يحسن الصلاة، وأن يزيد فيها، لأنه كلما أقبل على الله أكثر، اغتاظ عدوه أكثر، وكلما كان من الله أقرب، كان عدوه أشد غيظا، والله تعالى يقول: ]وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ [ [التوبة/120]

الخطوة التي تخطوها فيها إغاظة لعدو الله ولأعداء الإسلام، يكتبها الله لك عملا صالحا، فالمرأة التي تلبس حجابها لتغيظ أعداء الله فضلا عن أجر الحجاب لها فضل الإغاظة لأعداء الله، والمسلم الذي يمسك لسانه عن الكلام البطال غيظا لأعداء الله له أجر عن الإغاظة فضلا عن الذكر والقول الطيب، وكل عمل تعمله، تنهض به الأمة، تحقق به معنى الإسلام، تغيظ به الشيطان، يكون لك أجر على نية إغاظة الشيطان. إذا كنت في خصومة مثلا، فإن الشيطان يأتيك في حالة الخصومة، ويجري منك مجرى الدم في العروق، ويستغل حالة الغضب، فإذا استعذت بالله من الشيطان، وتكبرت على غضب النفس، وسموت على شهوة الخصومة والانتقام، ولم ترد الإساءة بالإساءة، وقلت في نفسك : الشيطان يريد أن يوقع بيني وبين إخوتي، الشيطان يريد يكتسبني اليوم، الشيطان يريد أن يستذلني في الغضب، وأنا والله لأغيظن هذا الشيطان، ولأطيعن الرحمن، هذه النية لك بها أجر عظيم، وعمل صالح.

ولذلك ما الذي يغيظ الشيطان في يوم عرفة؟ أنه يرى الوجوه الخاشعة، والعيون الدامعة، والأكف المرفوعة، والقلوب الضارعة، ما بين باك وضارع ، وسائل وداع  ، ما بين ذاكر ومكبر، هكذا الناس في عرفات، حين يرى هذه الطاعة من ناس تركوا أوطانهم وبلداهم وديارهم، وجاءوا لربهم يزداد غيظه، لأنه يرى ما لا نرى، ويسمع ما لا نسمع، وهو يرى في هذا اليوم رحمات الله وهي تنزل، ويرى نعم الله وهى تتعاظم وتتكاثر، ويرى أبواب السماء مفتوحة على مصاريعها، فيغتاظ، وكلما ازداد أهل الموقف دعاءً وصلاة ً وذكراً وتسبيحًا وتحميدًا ازداد غيظا وضيقا وشدة، فهل نغيظ عدو الله في هذا اليوم العظيم؟ بأن نصل أرحامنا المقطوعة وبأن تصلح ما بينك وبين إخوانك؟ هل تغيظه بأن تقوم الليلة بين  يدي الله؟ هل تغيظه بأن تمسك اللسان عن معصية الله؟ هل تغيظه بأن تفعل اليوم خيرا جديدا لم تفعله في سابق الأيام؟ هل تغيظه اليوم بإخراج صدقة؟ اليوم ضع في اعتبارك أنك تريد إغاظة عدوك، ولا عقوبة من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله رب العالمين! أشد عقاب للشيطان أن تطيع الرحمن ، كلما اقتربت من الله كلما ازداد هو هما، وكلما فعلت خيرا ازداد هو غضبا.

إذا نريد أن يباهي الله بنا الملائكة، ونريد أن نغيظ عدونا، بطاعة الله في أنفسنا وبيوتنا وأولادنا وزوجاتنا وإخواننا وأرحامنا ، بقول الحق وفعل الخير، لعلنا نكون من المفلحين.

 

الوقفة الثالثة: شعار الإسلام هو وحده الذي يجمع هذه الأمة:

 ففي عرفات، جمع الله تبارك وتعالى، أخلاطا وأجناسا، من سائر الألوان ما بين أبيض وأسود، ما بين وجيه وضعيف، ما بين كبير وصغير، ما بين عربي وغير عربي، في عرفات البشرية كلها مجتمعة، ما الذي جمع هذه الأخلاط التي لا تجتمع في غير هذا المكان؟

جمعها الإسلام، وحد بينها الرحمن، وهذا معناه أن أمتنا لن يحفظها من الشر ولن يحميها من الشتات إلا الإسلام، أي شعار غير الإسلام، لا يمكن أن يجمع هذه الأمة،  أي شعار غير الإسلام سيفرق الأمة، سيشتت الأمة، الشعار الوحيد الذي يحصل به العز  وتحصل به السيادة والأمن، وتحصل به الراحة والائتلاف هو الإسلام، الإسلام الذي يسوى بين الكبير والصغير، والأمير والخفير، الإسلام الذي يقول للجميع عربيهم وعجمهم، كبيرهم وغنيهم وفقيرهم ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[  [الحجرات/13] ، الإسلام الذي يقول نبيه صلى الله عليه وسلم للمسلم في أقصى بلاد الأرض:« لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ »([9]) ، ولو كان في أقصى الأرض من الطرف الآخر، الإسلام دائما يجعل قلب المسلم متعلقا بإخوانه. هذا الذي دائما يجمع الأمة، وصدق الله العظيم  ] وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [ [آل عمران/103]

لا حبل يمكن أن يجمع الأمة إلا الإسلام، ولا شعار يوحد الأمة إلا شعار لا إله إلا لله، ومن هنا فنحن في حاجة إلى هذا المعنى،  في حاجة إلى أن نفهم أن إنقاذنا وسعادتنا وصلاح حالنا ومآلنا لن يكون إلا مع الإسلام، فإذا غبنا عنه أو غاب عنا تخبطنا في الحية والتيه والضلال والتخلف، وقد رأينا وسمعنا ولسنا في حاجة إلى برهان أو دليل، رأينا حال الأمة لما ابتعدت عن الدين ماذا حل بها،؟ خصومات بين الدول الإسلامية على مستوى الدول، وخصومات على مستوى البيوتوالأسر، وعلى مستوى المجتمعات، ما الذي يفرق هذه الأمة؟ ابتعادها عن شعار الإسلام. وما الذي يمكن أن يجمعها؟ هو ما جمع اليوم ثلاثة ملايين في مكان واحد، لا يخشى أحد أن يعتدي عليه أحد، الكل يرجو رحمة الله، نحن في حاجة إلى أن نفقه هذا تمامًا، فنلتف حول الإسلام ، حول الدين، حول أخلاقه ومبادئه ومنهجه ؛ لأنه هو السبيل الوحيد لسعادتنا وإنقاذنا.

 

الوقفة الرابعة: يوم عرفة يذكرنا بيوم الحشر:

فهذا اليوم الجليل العظيم المهيب، في عرفات، ترى الناس وقد اختلطت أصواتهم، وتشابهت أشكالهم، ولا تكاد تميز واحدا عن الآخر ، إذ اللباس واحد، والكل في هيئة واحدة،  قد تجردوا من زينة الدنيا، والكل في انشغال بنفسه وبعلاقته بربه ، هذا داعٍ، وهذا باكٍ، وهذا سائل،  وهذا يتكلم بلغةٍ عربية، وهذا يتكلم بلغةٍ عجمية، وهذا يدعو لنفسه، وهذا يدعو لإخوانه، حالة من الاختلاط التي لا يكاد يتميز بها شخص عن شخص، تذكرنا بيوم الحشر، إذ هكذا نخرج إلى الله، ]يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ . خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ[ [المعارج/43، 44] سنخرج متجردين من زينة الدنيا، كما تجرد الحجيج اليوم، فلن نلبس الثياب الفاخرة، ولن نركب السيارات الفارهة، ولن نتعاظم على الناس، بل الكل حين يدعو الداعي وحين ينفخ في الصور، يخرج من القبور إلى الله العليم الخبير، الكل ما بين صارخٍ، وباكٍ،  ومتأوه ، الكل على حاله التي خلق عليها، أصوات مختلطة، حشرٌ ونشرٌ وموقف عصيب.

وكما يقف الناس اليوم في هذا الصعيد فسيجمع الله الناس في صعيد واحد أيضا ، فصعيد اليوم يجتمع فيه ثلاثة ملايين من البشر، لكن ترى كم من البشر يجتمعون في صعيد يوم القيامة؟ بل كم من الخلق حين يجمع الله الأولين والآخرين، ليوم لا ريب فيه؟ عش مع هذه الصورة، واسأل نفسك: أين سأكون أنا في هذا الموقف، سيكون الناس في هذا الحشر، ما بين مسود الوجه، ومبيض الوجه، ]يَوْمَ تَبْيَضُّ وَجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وَجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وَجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ [ [آل عمران/106]

سيكون الناس في هذا اليوم ما بين قائم في ظل العرش، يوم لا ظل إلا ظل الله،  وما بين واقف في شدة الحر، اجتمع عليه حر النار وحر الشمس، إذ الشمس يومها فوق الرؤوس، فأين أنت في هذا الموقف؟ أين أنت في هذا الزحام الهائل الذي لا يحصيه أحد إلا الله رب العالمين؟ أين ستكون؟ أمع المحرومين أم مع المرحومين؟ أمع المقبولين أم مع المطرودين؟ أتكون مع الآمنين أم مع الخائفين؟ سؤال يجب أن نسأله لأنفسنا ونحن نتأمل صورة هؤلاء المتجردين بين يدي الله في ذلك الصعيد، لا سقف يظلهم عن الله، ولا قصور يسكنون فيها، ولا متاع يركنون إليه، وهم ما بين داعٍ وسائلٍ وباكٍ ، أقول لمن يتأمل هذا الموقف: تأمل ذاتك وتأمل نفسك، وقد وقفت بين يدي الله، على رؤوس الأشهاد … يا ترى يومها أين تحب أن يكون موقعك؟

وقف أحد الصالحين في عرفات يوماً وقال: اللهم اغفر لي ما بيني وبينك، اللهم لا ترد دعاء هؤلاء الحجاج لأجلي. يظن بنفسه أنه هو المسيء ويخاف أن يكون سببا في رد أعمال العباد، ثم يقول: يا رب إن كان في هؤلاء الواقفين من له قلب حي تقبل دعاءه فاقبلني ببركته، وهو في موقف عرفات، يذكر الموقف ويرجو رحمة الله.

نحن في حاجة شديدة إلى هذا! الأخ الذي يأكل مال أخيه، اذكر ساعة موقفك ماذا ستفعل؟ الظالم الذي يسرق أموال الناس أو ينهبها أو يمد يده إليها، المرتشي آكل الحرام، الذي لا يراعي إن كان ما يجمعه من حلال أو من حرام،  السليط الذي يسيء إلى الناس بلسانه ، سيء الخلق الذي يسيء إلى جيرانه، المتكبر المتغطرس، المتعسف بسلطانه وبقريبه، وبجاهه، على كل واحد من هؤلاء أن يسأل نفسه في ذلك اليوم الهائج المائج: أين سيكون موقفه؟ومع من سيكون مقامه؟

 أيها الأحبة، إن وقفة عرفات تذكرنا بهذا الموقف العصيب وبهذا اليوم العظيم، وإنها لوقفة إذ تذكرنا بيوم اللقاء، تدعو كل متأخر عن طاعة الله إلى التقدم، وتدعو كل ساعٍ في الحرام أن يتوقف، وتدعوا كل آكل للحرام أن يرتدع، وتدعو خائف على نفسه أن يطلب الأمن يوم الفزع الأكبر، نسأل الله أن يجعلنا يوم الفزع الأكبر من الآمنين.

 

أما آخر الوقفات مع وقفة عرفات اليوم: فهي الأمل في رحمة الله:

يقول رب العزة: يرجون رحمتي، ويقول : أشهدكم أني قد غفرت لهم، ويباهي الملائكة، كأنما يريد الحق جل وعلا أن يرطب قلوب المؤمنين، ويقول: إن أقبلتم إليَّ أقبلتُ عليكم، وإن أتيتموني طائعين أتيتكم راحما غفاراً، كأني برب العزة تبارك وتعالى يبشرنا، إذ يجعل لنا يوماً ينزل إلينا فيه، ويخاطبنا فيه، ويسكب علينا من رحمته ما يجعل العدو يغتاظ، وما يجعل الحبيب يفرح.

نحن في يوم فرحة، ورحمة، وبركة، وأجر، بشارة من الله لنا، لكن يا ترى لمن تكون البشارة؟ كثير من الناس يذنب فإذا كلمته يقول: إن الله غفٌر رحيم، مع أن الله تعالى يقول:]وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى [ [طه/82] 

الله يبشر المقبلين عليه، أما المعرضون عنه، فيناديهم : فأين تذهبون؟ ألكم رب غيري؟ ألكم إله غيري؟ أيمكن أن تجدوا راحماً غيري؟  الله اليوم يقبل على المقبلين، يقبل على الواصلين للأرحام، يقبل على الفعالين للخيرات، يقبل على المعطين للصدقات، يقبل على القائلين الحق، يقبل على خلقه المقبلين عليه، وينادي على كل معرض، وكل مدبر وكل غافل، وكل تائه، وكل حيران، وكل ناسي، ينادي عليه ويقول: فأين تذهبون؟ انظر إلى تعبير القرآن، وإلى هذا اللطف في الخطاب، لو كان للإنسان قلب حي، وسمع رب العزة وهو يلطف به هذا اللطف، ثم استمر في إعراضه، لكان حريا لأن يكون أهلا وحطباً لجهنم، والعياذ بالله. أيدعوك وتعرض عنه؟ أيرجوك وتدبر عنه؟ أيقبل عليك وتعطيه ظهرك؟ أي أدب هذا؟ أي جفاء هذا؟

يا إخواني نحن اليوم في أكثر الأيام بركة ، في أعظم الأيام وأفضلها عند الله، نحن اليوم في يوم إقبال الله على خلقه، والسعيد من تعرض في هذا اليوم لرحمة الله، السعيد من تعرض لنفحات الله ،فلعل نفحة من نفحات الله تصيبك فتسعد سعادة لا حصر لها ،  وكيف نتعرض لرحمة الله؟ نتعرض لها بالذكر ، بالدعاء، بتلاوة القرآن، بحفظ اللسان، بصلة الأرحام، بصلاة الجماعة، برد الحقوق، برد المظالم، بإيتاء الحقوق، بفعل الخيرات، أمامك صور وأصناف  لا حصر لها .

رب العزة يقول لك: تعال إلي حتى أزيد لك في عطائي، وتب إلي حتى أفيض عليك  من  رحماتي ونعمائي، فيا سعد من تعرض لرحمة الله ! ويا خيبة المعرض عن نداء مولاه! في الحديث عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ([10]) : بَيْنَمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدِمَتْ عِيرٌ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَابْتَدَرَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حَتَّى لَمْ يُبْقَ مَعَهُ إِلا اثْنَا عَشَرَ رَجُلا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَتَابَعْتُمْ حَتَّى لا يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ لَسَالَ لَكُمُ الْوَادِي نَاراً ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ :  ]وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهُواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً [ [الجمعة/11]  

وَقَالَ: فِي الاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَبُو بَكْرٍ  وَعُمَرُ.

أقول هذا لنفسي ولإخواني: لو عرضت لنا  نفحة من أحد من العباد ودُعِينا لأسرعنا، فكيف ورب العباد الذي لا يخلف الميعاد هو الذي يدعونا؟ كيف ومالك أمرنا يقول لنا: أنا أنتظركم اليوم لتسألوني، وأنتظركم لأغفر لكم، وأنتظركم لأرحمكم، وأنتظركم لأعطيكم،  وأنتظركم لأرفع درجاتكم؟

أسأل الله أن يوفقنا لأن نكون أهلا لرحمته، وأهلا لمغفرته، وأهلا لواسع عطاءه، إنه على كل شيء قدير واستغفروا عباد الله ربكم إنه هو الغفور الرحيم.

 


[1] – أخرجه الترمذي ك: الصوم، ب:  3/130 (757) وقال: “حديث حسن صحيح غريب”. من حديث ابن عباس.

[2] – أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 12/48  (12436) من حديث ابن عباس.

[3] – أخرجه الدارمي 2/41 (1774) وقال حسين سليم أسد: إسناده صحيح.

[4]– أخرجه مسلم ك: الصوم، ب: استحباب ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة وعاشوراء والاثنين والخميس 2/818 (1162/197) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.  

[5] – أخرجه الترمذي ك: الدعوات، ب: في دعاء يوم عرفة 5/572 (3585) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. وقال: “هذا حديث غريب من هذا الوجه وحماد بن أبي حميد هو محمد بن أبي حميد وهو أبو إبراهيم الأنصاري المديني وليس بالقوي عند أهل الحديث”.

[6] – أخرجه ابن خزيمة في صحيحه 4/263 (2840) عن جابر t.

[7][7][7] – الحاكم في المستدرك من حديث أبي ذر رضي الله عنه 4/623 وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي .

[8] –   أخرجه مالك في الموطأ ك: الحج، ب: جامع الحج 1/422 (944) من حديث طلحة بن عبيد الله بن كريز، مرسلاً.

[9] –   الحديث عن أنس أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب مِنَ الإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ 1/ (13).

[10] – هذا لفظ ابن حبان 15/300 (6877) وأبي يعلى 3/468 (1979)، والحديث أصله عند البخاري ك: الجمعة، باب: إذا نفر الناس عن الإمام 2/422(936)، ومسلم في كتاب: الجمعة ، باب: في قوله تعالى ]وإذا رأوا تجارة أو لهوا…[2/ (863/38).