الإثنين , 20 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

فاروق جويدة يكتب: الوصايا العشر في انتخابات مجلس الشعب

بيني وبين الانتخابات ذكريات أليمة‏..‏ منذ فتحنا عيوننا على الاتحاد القومي والاتحاد الاشتراكي وقبلهما هيئة التحرير وأنا لا أصدق قائمة انتخابية ولا أثق في هذه اللجان التي تنقلها الشاشات والجماهير تتزاحم أمامها وليس فيها مواطن واحد‏..‏ ما أكثر الأكاذيب التي عشناها سنوات طويلة في مسلسل الانتخابات!.

سواء كانت انتخابات مجلس الأمة أو مجلس الشعب أو مجلس الشورى..‏ وكلها مجالس‏..‏ إلا أنني هذه المرة ربما تجرني أقدامي وتحملني إلى أقرب لجنة انتخابية، وقد وضعت لنفسي قائمةً بالوصايا العشر التي عاهدت الله أن ألتزم بها في اختيار الأشخاص الذين وقع عليهم اختياري وإذا لم أجد هذا الشخص، فسوف أعود إلى بيتي حاملاً صوتي، ربما احتجت إليه في زمان آخر إذا امتدت بنا سنوات العمر.

عاهدت نفسي على هذه الوصايا العشر، ولعلك عزيزي القارئ تجد فيها ما ينفعك وما يرشدك وأنت أمام لجنة الانتخابات:

– لن أنتخب عضوًا في مجلس الشعب اخترته في الانتخابات الماضية أكثر من مرة، ولم أشاهد طلعته البهية طوال سنوات خمس، لقد اختفى بعد أن سطا على الحصانة ولم نعرف له بعد ذلك مكانًا‏..‏ فلا هو ظهر في دائرته الانتخابية؛ ليواجه مشاكل الناس، ولا هو مرَّ على بيوت الناخبين في الأعياد والمناسبات، وقبل هذا كله هو لم يظهر إطلاقًا على شاشات التلفزيون يقدم استجوابًا أو طلب إحاطة، لقد شاهدته دائمًا في حالة تصفيق دائم، وكل ما سمعناه عنه أنه أصبح مقاولاً كبيرًا، وحصل على عدد كبير من المساحات في أراضي الدولة، وأنه يتاجر في الشقق المخصصة للشباب ويقدم مستندات مضروبة‏..‏ وأنه حصل على قرض بعدة ملايين من أحد البنوك لم يسددها وأنه يحصل على معونة سنوية من الحزب الوطني؛ لتوفير الخدمات للدائرة ولم تصل هذه المعونة إلى مستحقيها طوال خمس سنوات‏..‏ لن أنتخب هذا العضو الفاسد؛ لأن الفروع الفاسدة أفسدت الشجرة كلها.

‏- لن أنتخب الأعضاء الذين يتاجرون في طعام هذا الشعب، إنهم يمثِّلون عصابات منظمة‏..‏ هناك عصابات لاستيراد القمح وهناك مافيا لتجارة المحاصيل خاصة القطن، وهناك مَن يلعبون في أسواق السلع الغذائية، ويديرون المصانع لحسابهم حتى لو كانت مصانع تحت السلم كما يقولون‏..‏ لن أنتخب المسئولين عن الاحتكارات التي أرهقت هذا الشعب وهم يتلاعبون بالأسعار ما بين أسعار الحديد والإسمنت والأسمدة والكيماويات والزيوت‏..‏ هؤلاء الذين استنزفوا موارد هذا الشعب ونهبوا أمواله ثم ذهبوا يرفعون راية الحصانة حتى لا يقترب منهم أحد‏.‏

– لن أنتخب النواب الذين تاجروا في هموم الناس، وافتعلوا قصة العلاج على نفقة الدولة وتورَّطوا مع المسئولين في وزارة الصحة في أقبح قضية يمكن أن تحدث مع المرضى الذين يبحثون عن الدواء والعلاج‏..‏ إن الجرائم أنواع، وهناك جرائم تمثل نوعًا من التوحش في السلوك البشري‏..‏ إن الذي يسرق بنكًا غير الذي يسرق كليَة مريض أو هذا الذي يسطو على دواء لمريض،‏ رغم أن الجرائم واحدة، لكنَّ الفرق كبير جدًّا؛ لأن الذي يسرق دواء المريض يحرمه من حياته.

هناك جرائم كثيرة شهدتها قبة البرلمان، ابتداءً بنواب التأشيرات والمخدرات، وانتهاءً بالفضائح الأخلاقية التي لحقت بالكثيرين من أعضاء المجلس، ولا يُعقل أن يعود هؤلاء إلى مجلس الشعب مرة أخرى؛ لأنهم عار ينبغي التخلص منه.

– لن أنتخب عضوًا مزوِّرًا، غيَّر صفته أكثر من مرة، فقد كان فلاَّحًا في مجلس الشعب منذ أعوام، ثم أصبح عاملاً في المجلس السابق، والآن أصبح يحمل لقب الفئات في الانتخابات الجديدة، إن مثل هذا العضو لا يستحق أن يحمل شرف تمثيل الفلاحين أو العمال، فلا هو كان فلاحًا ودافع عن الأرض، ولا هو كان عاملاً ودافع عن المصنع الذي يباع، ولكنه كان انتهازيًّا في كل الحالات، ولا بدَّ أن يلقى العقاب الذي يستحقه بألا تطأ أقدامه البرلمان مرةً أخرى.

وقبل هذا هناك الأعضاء الذين اختارهم الشعب كمرشحين مستقلين بعيدًا عن الأحزاب، وعندما نجحوا غيَّروا هويتهم وانضمُّوا إلى حزب الأغلبية‏..‏ إن عضو مجلس الشعب ينبغي أن يحترم إرادة ناخبيه ولا يغيِّر انتماءه بهذه الصورة؛ لأن مثل هذه السلوكيات تُعدُّ خديعةً تُسيء لهؤلاء ولا يقبلها قانون أو أخلاق‏.

– لن أنتخب أعضاء مافيا الأراضي الذين حصلوا على مئات الآلاف من الأفدنة وتاجروا فيها وجمعوا منها مئات الملايين‏..‏ لقد حصلوا على هذه الأراضي دون وجه حقٍّ وهم يعلمون ذلك‏..‏ وباعوها في مزادات وصفقات مريبة ومشبوهة‏..‏ وكانوا في كل الحالات يعتمدون على علاقات مشبوهة جعلتهم يحصلون على هذه الأراضي‏..‏ وهناك الحصانة التي جمعوا منها كلَّ هذه الأموال‏..‏ إن عددًا كبيرًا من أعضاء مجلس الشعب السابقين واللاحقين كانوا من سماسرة الأراضي، واستولوا على مساحات رهيبة، سواء باعوها أو تاجروا فيها‏..‏ في سجلاَّت وزارات الزراعة والسياحة والاستثمار والإسكان والمحافظات.. ملفات كثيرة تدين هؤلاء الذين جمعوا كلَّ ثرواتهم من السطو على الأراضي في كل أرجاء المحروسة‏..‏ لقد كانت كل معاركهم للحصول على الحصانة هدفها الأول والأخير هو تجارة الأراضي، وينبغي أن يدفعوا الآن الثمن.

– لن أنتخب تجَّار الطماطم والفاصوليا واللحوم والدواجن؛ الذين أشعلوا النار في الأسواق، وجعلوا المواطن البسيط يئنُّ أمام جشعهم، وهم يفرضون علينا هذا المسلسل الرهيب من الأسعار التي لا يقدر عليها الأغنياء وليس البسطاء‏..‏ إن تجار المواد الغذائية‏..‏ ومستوردي اللحوم وتجَّار الخضراوات وهذه الإمبراطوريات الجديدة التي عجزت الحكومة عن تأديبها يجب أن تلقى العقاب من الشعب‏..‏ إنهم ينتشرون الآن في المحافظات يطوفون الدوائر ويدفعون الملايين التي جمعوها حرامًا من الشعب الغلبان في أزمة الطماطم وأزمة اللحوم وأزمة الخضراوات والفاكهة‏..‏ وإذا كانت الحكومة قد عجزت عن أن تقوم بدورها فيجب أن يتولى الشعب مسئولية حماية نفسه.

يجب أن يقف سكان العشوائيات ضد مرشحيهم الذين تخلَّوا عنهم في الدويقة وإسطبل عنتر وعشرات الخرائب التي يسكنها فقراء هذا الشعب.

– لن أنتخب وزيرًا باع مصنعًا بتراب الفلوس كان يفتح آلاف البيوت، ولن أنتخب وزيرًا كان سيفًا مصلتًا على رقاب الناس، وطرد العمال، وشرَّد أسرهم، وحاصرهم بالتزامات لا يقدرون عليها، ولن أنتخب مسئولاً شارك في جريمة ضد حريات هذا الشعب، واعتقل مواطنًا دون وجه حق، وسجن إنسانًا ظلمًا، واعتدى على حرمة بيت أو إنسان‏..‏ لن أنتخب مَن حاصروا العمال المتظاهرين أمام مجلس الشعب ولم يخرجوا لهم ولم يسمعوا صراخهم وبكاء أطفالهم‏..‏ لن أنتخب قراصنة الخصخصة الذين باعوا المصانع بأبخس الأثمان،‏ وباعوا المحالج والمغازل وشرَّدوا ملايين العمال تحت راية المعاش المبكر‏.

– لن أنتخب المسئولين الذين أرهقوا الفلاحين بأسعار المحاصيل والمبيدات الزراعية تحت شعار الحرية الاقتصادية أو حرية الأسواق‏..‏ ولن أنتخب هؤلاء الذين فرضوا الضرائب على المساكين بالحق والباطل‏..‏ وحوَّلوا مؤسسات الدولة إلى أجهزة للجباية وجمع الأموال بأية صورة من الصور.

– لن أنتخب رجال الأعمال الذين تخلَّوا عن مسئولياتهم الاجتماعية تجاه الوطن وتجاه المواطنين‏..‏ هؤلاء الذين اشتروا المصانع بتراب الفلوس وباعوها بالملايين، وتحوَّلت بين أيديهم إلى فيلات ومنتجعات، بينما تحوَّلت بيوت العمال إلى خرائب‏..‏ هؤلاء الذين لم يدفعوا مستحقات هذا الشعب في كلِّ ما باعوا لا ينبغي أن يكون لهم شرف تمثيل شعب تخلَّوا عنه بعد أن أخذوا كل ما كان عنده‏..‏ إن أبناء الطبقة الجديدة ومسلسل العائلات التي احتكرت ثروة مصر في ظل حكومة لا تدرك مسئوليتها؛ هؤلاء ينبغي أن يستوعبوا الدرس، ويدركوا حقيقة مواقفهم حين تخلوا عن مسئولياتهم الاجتماعية والإنسانية تجاه وطن أعطاهم كلَّ شيء.

– لن أنتخب أحدًا من أبناء النخبة الذين خانوا دورهم الفكري والثقافي والحضاري، وساروا في كلِّ زفَّة، وباعوا أنفسهم لكل مَن يشتري‏..‏ هؤلاء الذين جاءوا من أعماق الريف وتاجروا بأفكارهم وأصبحوا مشاعًا بعد ذلك لكلِّ الأفكار‏..‏ كان وجود النخبة في مجلس الشعب تاجًا يزين كل شيء فيه‏..‏ ومنذ تحوَّلوا إلى أبواق في الزفة خسروا كل شيء‏.

‏أين مواكب اليسار التي كانت تتبنَّى قضايا العمال والفلاحين؟!‏..‏ وأين كبار المثقفين الذين صنعوا كلَّ تاريخهم على أسطورة قوى الشعب العاملة؟!‏..‏ وأين رموز الحركات النقابية؟! وأين اتحادات العمال والفلاحين من قضايا المهمَّشين في الأرض‏؟!..‏ غابوا جميعًا في معارك الحصانة وجمع الغنائم والمكاسب في معركة خسر فيها الجميع‏.

الخلاصة عندي: لن أنتخب أحدًا حرمني من صوتي، وأهان كرامتي، واستباح حقوقي، وأفسد حياتي‏..‏ ولهذا قرَّرت ألا أذهب إلى لجنة الانتخابات احترامًا لنفسي؛ لأنني حائرٌ بين حكومة نصفها من التجَّار، وتجَّار نصفهم من الحكومة، فأين المفر والجشع يطاردنا في كل مكان ما بين حكومة تخلَّت عن مسئوليتها؛ لترعى عددًا من الأشخاص وطبقة جديدة لا ترى في الكون شيئًـا غير مصالحها‏؟.. ‏إنها محنة الشرفاء في هذا البلد!!.

ويبقى الشعر..

العمر في عيني سرداب طويل

نفق مخيف ذلك السرداب‏..‏

يصعد‏..‏ ثم يهبط‏..‏ ثم في سأم يميل

يبدو قريبًا حين يغرينا بريق الحلم

تجذبنا بحار المستحيل

يبدو بعيدًا حين يخدعنا سراب الحلم‏..‏

يسكننا الأسى

ونعود بالجسد الكليل

فالناس تمشي فوق أقدام تهاوت

والدروب تنوء بالخطو الثقيل

كانت رءوس الناس تيجانًا محطمة

وأجسادًا تصارع بعضها

وحناجر بالقهر أدمنت العويل

كانت عيون الناس أنهارًا مشققةً

وأغصانًا يصيح نزيفها‏..‏

وجداول بالحزن أرضعت النخيل

كانت وجوه الناس أشرعةً مكسرةً

تواسي بعضها

وشواطئ تبكي على أطلال نيل

العمر في عيني سرداب طويل

يمتد من فجر البراءة‏..‏

والصباح البكر‏..‏ والوجه الجميل

يجتاز أزمنة التنطُّع‏..‏

وانكسار الروح‏..‏ والأمل العليل

عيناك في السرداب صبح جامح

ما زال في ألم

يكابر سطوة الليل الطويل

ما زلت أسبح في عيونك

رغم أن الموج إعصار‏..‏

وصوت الريح وحش كاسر

وشراعنا المكسور‏..‏

يبحث عن دليل

وأنا وأنت‏..‏ ولحظة عذراء تخبو‏..‏

خلف أجراس الرحيل

كنا نطلُّ وحولنا

تترنح الأيام في ضجر

وضوء الشمس نبض واهن

وعلى امتداد الأفق ينتحب الأصيل

هل هانت الأحلام‏..‏

أم هانت سنين العمر‏..‏

أم جنحت بنا الدنيا لحلم مستحيل؟‏!‏

بيني وبينك خطوتان

وحين يبدو الحزن تصبح ألف ميل

———-

* نقلاً عن جريدة (الأهرام) المصرية-  ‏fgoweda@ahram.org.eg‏