الثلاثاء , 21 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

الهجرة إلى الأصعب!

بقلم: د. جابر قميحة

كانت الهجرة إلى المدينة حدثًا من أعظم أحداث السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي والإنساني، وقد أخذ مكانه وزمانه المناسبين؛ ليشترك مع غيره من الأحداث والوقائع في تشكيل نسيج التاريخ الإسلامي والحضارة الإنسانية.

وبالاستقراء التاريخي نرى أن الهجرة كانت من الصعب إلى الأصعب، ومن الرافض إلى القابل:

ذكر ابن إسحق أنه في العام الخامس من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم لما اشتدَّ الأذى بالمسلمين أمرهم بالهجرة إلى الحبشة؛ “لأن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق…” (ابن هشام 1/315).

فهاجر عدد منهم إلى الحبشة على دفعتين؛ على رأس الأولى عثمان بن عفان، وعلى رأس الثانية جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما، وكان الهدف من هذه الهجرة البحث عن السلامة والنجاة من الخطر الذي يتهدَّد حياتهم.

أما هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، فلم تكن فرارًا من أجل حماية النفس، ولكنَّ هجرته كانت لهدف أساسي هو “نشر الدعوة على أوسع نطاق”، وهو لم يهاجر إلا بعد أن أصبحت تربة مكة قاحلةً شمطاء، ترفض البذور، ولا تقبل الماء، وتحاول أن تخنق كل عود أخضر، وتمتص نخاع كل نبات جديد، نعم.. لا بد من تربة جديدة، ومعاناة جديدة، وعمل متواصل؛ حتى تؤتي الدعوة ثمارها.

وكانت هجرته صلى الله عليه وسلم إلى ما هو أصلح، ولكنها لم تكن إلى ما هو أسهل، وآثر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحمَّل مزيدًا من الأثقال والأعباء في سبيل الوصول إلى نتيجة مثمرة للدين الذي حمل أمانته، ومن يستقرئ تاريخ هذه الفترة يكتشف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مكة يواجه عدوًّا واحدًا يتمثل في قريش، ولكنه في المدينة أصبح يواجه أعداء متعددين وجبهات كثيرة متعددة.

فهناك المنافقون، وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول، الذي استبدَّ به الحقد والنقمة؛ لأن هذا الوافد الجديد- في نظره- سحب البساط من تحت رجليه، وحرمه من تاج الملك، وكان قاب قوسين منه أو أدنى.

وهناك اليهود: خيبر وبنو قريظة، وبنو النضير، وبنو قينقاع، قبائل غنية منيعة، تبحث عن أمجاد مدفونة، وكانت تطمع في أن يمالئها النبي الجديد، وقد ظلوا- قبل بعثه- يهدِّدون به أهل المدينة والعرب، ولكن خاب فألهم.

والفرس والروم تتجه عيونهم نحو المدينة، ترصد خطوات هذا الوافد الجديد الذي غيَّر موازين القوى وموازين العقيدة في المنطقة.

وقريش ما زالت على عدائها القديم، بل إن حقدها ازداد تضرُّمًا، وغضبها ازداد تسعرًا، فقد عزَّ عليها أن يفلت من قبضتها محمد، ومن معه من المستضعفين.

نعم.. خرج محمد صلى الله عليه وسلم إلى الأصلح والقابل، ولكنه الأعتى والأصعب، وهذا هو الفيصل الحاسم بين الهجرة بمفهومها التشريعي الإنساني، والفرار بمفهومه المفزوع المهزوم.

والثابت تاريخيًّا أن اليهود في هذه المنطقة ليست لهم أية أصالة جنسية أو مكانية؛ فهم “يهود تعرَّبوا” وليسوا “عربًا تهوَّدوا” إن صح هذا التعبير، يقول ر. ف بودلي: “لقد كان اليهود من أزمان سحيقة عرضة دائمًا للطرد من (فلسطين) التي استولوا عليها، وممن طردوهم:

سرجون الثاني سنة 722 ق. م، ويختنصر سنة 586 ق. م، وبومباي سنة 63 ق. م، وطيطس سنة 70م، وطردهم هارديان طردًا نهائيًّا سنة 135م، وقد تغلغل كثير منهم في جزيرة العرب، فبعد أن نهب طيطس بيت المقدس استولت ثلاث قبائل قوية على المدينة أو (يثرب)- كما كانت تسمَّى- وهذه القبائل هي: بنو قينقاع، وبنو قريظة، وبنو النضير، وحوَّلوها إلى معقل زراعي”.

ولما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار، وقد اطمأن إلى وحدة المسلمين بهذه المؤاخاة، وهي ولا ريب كلمة سياسية تدل على سلامة تقدير، وبُعد نظر بصير ندرك مقدارهما حينما نقف على ما كان من محاولة الوقيعة بين الأوس والخزرج من المسلمين، وبين المهاجرين والأنصار لإفساد أمرهم.

————

* gkomeha@gmail.com