الأحد , 19 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

غزة.. وعام على العدوان

المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين

رسالة من: محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين؛ سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وبعد..

فقد مضى عام على العدوان الصهيوني البربري على غزة الصامدة المجاهدة، فحق علينا وعلى أحرار العالم أن نبعث لها بتحية الإكبار والإعزاز.

تحيةً لهذا الصمود الأسطوري في وجه آلة الحرب الصهيونية، وهذه التضحية الغالية، والإيمان العميق، والصبر الجميل، فرغم قوافل الشهداء والجرحى والمعوَّقين ها هي غزة بعد عام من الحرب الشرسة تبدو رافعة الرأس، شامخة الهامة، قويةً برجالها ونسائها وشبابها وأطفالها.. هؤلاء الذين جسَّدوا معاني الشجاعة وقيم الإقدام والتضحية والصبر، كما جسَّدوا للعالم كله المعنى الحقيقي للكرامة والإباء والشمَم، رغم القتل والحصار والتجويع.

تحيةً لكل قطرة دم طاهر سالت على ثرى غزة، وسلام على أهلها وشهدائها وشيبها وشبابها، ودروبها وأحيائها، ومساجدها ومآذنها العامرة والمُدمَّرة في “بيت لاهيا” و”جباليا” و”حي الزيتون” و”الشجاعية”، وتحيةً لك يا فلسطين، كل فلسطين، من البحر إلى النهر، ومن رفح إلى جنين، ومن النقب إلى الجليل.

لقد كان على حماس أن تدفع ضريبة الفوز في انتخابات حرة ديمقراطية حقيقية، تابعها العالم بأسره، وتسلَّمت السلطة على إثرها، فانقلب العالم شرقه وغربه وأدار لها ظهره، كيف لها أن تنتزع السلطة ممن داسوا كرامة الوطن وخضعوا للمحتل الغاصب؟! وكيف لها- وهي الحركة الإسلامية المجاهدة التي تسلك طريق المقاومة- أن تنال رضا الأنظمة المستبدَّة وهي التي كانت سببًا في فضحها أمام شعوبها المقهورة وأمام الرأي العام العالمي؟! فأطلقوا عليها الأوصاف التي تنال من تاريخها وجهادها مثل “الإمارة الظلامية” و”غزستان”، ومن ثمَّ كانت الحرب الظالمة المدمرة.

لقد كانت حرب غزة اختبارًا حقيقيًّا للمجتمع الدولي الذي يكيل بمكيالين، والذي يتشدَّق بالحرية وحقوق الإنسان، فقد أوقعت الحرب- حسب تقرير منظمة العفو الدولية- 1440 شهيدًا و5380 جريحًا، إضافةً إلى تدمير 14 ألف منزل, و68 مؤسسةً حكوميةً, و31 مقرًّا لمنظمات غير حكومية, و53 مؤسسةً تابعةً للأمم المتحدة, و60 مؤسسةً صحيَّةً، بما في ذلك 15 مستشفى، وتدمير 29 سيارة إسعاف، واستشهاد 16 من الطواقم الطبِّية، بالإضافة إلى تدمير50% من شبكات المياه, و55% من شبكات الكهرباء، وتوقف 3900 منشأة صناعية عن العمل بعد ضربها وتدميرها، ورغم ذلك لم تركْع غزة وصمدت حتى النهاية، فكان الحصار والتجويع لإذلالها وإجبارها على الركوع والتسليم.

لقد صدرت قراراتٌ وتوصياتٌ لرفع الحصار عن غزة من كبرى المنظمات في العالم، بدءًا بالأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية، وصدر تقرير محكمة الجنايات الدولية للقاضي “جولدستون” الذي دان فيه العدوان، وطالب بمعاقبة الجناة الصهاينة ومحاكمتهم، لكن دون جدوى، وكأنها صيحةٌ في وادٍ أو نفخةٌ في رماد.

وقد استمر الحصار الدولي والعربي على الشعب الفلسطيني في غزة، واقتصرت عمليات فكِّ الحصار على عدد من منظمات المجتمع المدني العربية والأوروبية، فكانت قوافل “شريان الحياة” التي نظَّمها “جورج جالاوي” النائب في مجلس العموم البريطاني، والتي تمَّ تعطيلها وعرقلتها من الوصول إلى غزة، كما تمَّ منع كلٍّ محاولات فك الحصار عن طريق البحر، فقامت “إسرائيل” بتهديد السفن وإطلاق الرصاص عليها كما حدث لسفينة “روح الإنسانية” القادمة من قبرص إلى غزة.

وإذا كان الحصار “الإسرائيلي” معروفةً دوافعه فإن المرء ليَعجَب من قيام الحكومة المصرية بمضاعفة الحصار على أهل غزة، وبناء جدار فولاذي عازل على الحدود معها؛ بحجة الدفاع عن الأمن القومي المصري, وفي الوقت الذي يحتفل فيه العالم بسقوط الجدران العازلة، مثل “جدار برلين”، تحتفل حكومة مصر ببناء الجدار، وكأن فلسطين في حاجة إلى جدار آخر يضاف إلى جدار” شارون” ليتمَّ حصر إخواننا في فلسطين بين الجدارين، وهكذا انتهى الأمر بالحكومة المصرية بدلاً من “كسر الحصار” إلى “كسر غزة”، وبدلاً من “الرصاص المصبوب” الذي أطلقته “إسرائيل” إلى “الفولاذ المصبوب” على الحدود مع غزة.

إن الحديث عن الأمن القومي المصري في هذه الحالة هو حديثٌ عبثيٌّ لا يمتُّ إلى الواقع بصلة؛ لأن غزة كانت قبل احتلالها عام 1967م تحت سلطة وإدارة مصر، وعليه كان الأجدر بمصر أن تتحمَّل مسئوليتها التاريخية، فضلاً عن واجبها الوطني والديني والأخلاقي عن أمن غزة وحمايتها، وخاصةً أنها لم تشكِّل خطرًا في يوم من الأيام على مصر، بل إنه في ذروة الاعتداء عليها من قبل الصهاينة كان المتوقَّع أن تندفع الألوف نحو الحدود المصرية فرارًا من الموت، كما يحدث في كل بلدان الدنيا التي تعاني من الحروب، إلا أن ذلك لم يحدث، ووقفت شرطة القطاع تحرس الحدود مع مصر وتؤمِّنها فمِمَّن وعلامَ تخاف مصر إذن؟!

إن أبناء غزة لا يمكن أن يهدِّدوا أمن مصر؛ لأن أمن مصر وشعبها هو عمقهم الإستراتيجي، وسندهم الأساسي الذي قدّم آلاف الشهداء انتصارًا لقضيتهم، ولا يريد أهل غزة أن يعيشوا على الأنفاق التي اضطرهم الحصار لحفرها، بل يريدون فتحًا منظَّمًا وطبيعيًّا للمعبر تُطبَّق عليه قوانين مصرية، كما يحدث في أي منفذ حدودي آخر.

إن الفلسطينيين عندما اقتحموا معبر رفح في انتفاضة الجوع قبل عام ونصف العام لم يسرقوا رغيف خبز واحد، وهم الجوعى، بل تصرَّفوا بطريقة حضارية لم يتصرَّف مثلها أبناء “لوس أنجلوس” الذين مارسوا السلب والنهب أثناء انتفاضتهم ضد الشرطة الأمريكية.

إن غزة تمثِّل حائط الصدِّ بالنسبة لمصر، فهي التي تؤمِّن ظهرها وتحميه من العدو الصهيوني, وعلى الذين يردِّدون نغمة الأمن القومي أن يكفُّوا عن هذا الحديث؛ لأنه مهزلة بكل المقاييس, وعلى حكومة مصر أن تراجع نفسها؛ لأن ما يجري إنما يقطع شريانًا آخر للاتصال بين مصر والشعب الفلسطيني، ويولِّد مشاعر من الكراهية سوف تمتد لأجيال قادمة.

إن الوقوف مع غزة ونصرتها وفكّ الحصار عنها هو عين الدفاع عن الأمن القومي المصري، كما أن التخلي عنها يعرِّض أمن مصر ومصالحها للخطر الصهيوني.

إن أعداءنا لا يعرفون الصداقة، وليس لهم عهد ولا ذمة، والمسألة عندهم مسألة وقت، فبالأمس فلسطين والعراق وأفغانستان، وغدًا تكون مصر.

ألم يهددْ “ليبرمان” وزير خارجية “إسرائيل” الحالي بضرب “السد العالي” وإغراق مصر في مياه النيل؟! ألم يطالب “عورين بنيون” مدير مكتب “بيجن” بإعادة احتلال سيناء وتقسيم مصر إلى ثلاث دويلات؟! ألم يقُل “ديفيد عبري” نائب وزير الدفاع: إن معاهدة مصر مع “إسرائيل” مؤقتة؟! ومن الذي اعتدى علينا في حربين متتاليتين في 56 و67؟ أليست “إسرائيل”؟!

واجبنا أن نتحرك لنصرة إخواننا في فلسطين.. لنصرة أنفسنا والحفاظ على أمننا القومي المهدَّد من قبل الصهاينة.

إننا نهيب بأحرار العالم وشعوب الأمة العربية والإسلامية أن تهبَّ لنصرة غزة ورفع الحصار عنها؛ إنفاذًا لقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة: من الآية 71)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (الأنفال: من الآية 72)، وقول رسولنا عليه الصلاة والسلام: “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره”، وقوله صلى الله عليه وسلم: “من أُذِلَّ عنده مؤمن فلم ينصره وهو قادر على أن ينصره أذله الله عزَّ وجلَّ على رءوس الخلائق يوم القيامة”.

ومع كل ما نفعله من نصرة لإخواننا في غزة وفلسطين ينبغي أن نكون على ثقة كاملة في أن النصر آتٍ لا ريب فيه، وأن العاقبة للتقوى، وأن الباطل زاهق زائل، وأن نعلم أن هذه الآلام والنكبات التي تنزل بالمسلمين هي بمثابة (المخاض) الذي يسبق (الميلاد)، أو الظلام الحالك الذي يسبق بزوغ الفجر، وضعف هذه الثقة أو غيابها دليلٌ على ضعف الإيمان.. ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ (87)﴾ (يوسف).

هذه الثقة- أيها الإخوة الأحباب- هي زاد المجاهدين في كل الميادين، فإذا أصاب اليأس والإحباط ضعاف العزائم والبصائر ولم يرَوا إلا المقدمات التي لا نهاية لها ورفعوا راية ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)﴾ (الشعراء)؛ كان شعار الواثقين: ﴿كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)﴾ (الشعراء).. ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ (التوبة: من الآية 40).

وإن خاف غيرهم من مكر الأعداء وتخطيطهم اطمأنوا إلى قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)‏﴾ (الأنفال)، وإن خوَّفوهم بسلاح العدو وعدته تسلَّحوا بقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ (الأنفال: من الآية 17)، وإن خوَّفوهم بمنع الإعمار والغذاء والدواء والتضييق والإفقار؛ استعانوا بقوله تعالى: ﴿وَللهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (7)﴾ (المنافقون).

وأوجه ندائي إلى كل مسلم:

قضية فلسطين قضية عقيدة وقيم ومثل، عليكم بصدق الدعاء في السحر، فسهام السحر لا تخيب، والتخلي عن الاهتمامات الفارغة، والتحلي بالجد، والوعي بالقضية، ونشرها ما استطعتم، وتحسين الصلة بالله، والثقة في نصره وتأييده.

وندائي إلى الحكومات:

إلى متى التدابر والتناحر، وضياع الهويَّة والغاية؟! أنتم مسئولون بين يدي الله، اعمدوا إلى ما يرضي ربكم، ويصلح شأن أمتكم، وَحِّدوا رايتكم، واحذروا عدوَّ الله وعدوَّكم.

وندائي إلى أهلنا في غزة:

اصبروا وصابروا ورابطوا، واعلموا أن النصر مع الصبر، والأيام دُوَل.. ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (أل عمران: من الآية 140)، وسوف تسقط الجدران ويندحر العدوان، ويعلو الحق، ويذهب الباطل هباءً.. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ (الرعد: من الآية 17).

والله أكبر ولله الحمد، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.