الأربعاء , 22 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

في أعقاب الانتخابات المصرية

بقلم: د. عصام العريان

كانت نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة في مصر أشبه بزلزال أصاب الوطن، وقد أعادت الانتخابات وما صاحبها الجميع إلى الوراء أكثر من ستين عامًا.

وسوف تتداعى آثار تلك الانتخابات تباعًا على كلِّ الفرقاء السياسيين وعلى المواطنين، إذا لم يتم تدارك الأمر، والظاهر بعد مرور أسبوعين أن النظام مصمم على المضي إلى نهاية الشوط دون أي اهتمام بأحكام القضاء، الصادرة عن أعلى هيئة قضائية في مجلس الدولة (المحكمة الإدارية العليا)، التي قضت ببطلان الانتخابات في أكثر من نصف الدوائر، ولعله مطمئن الآن إلى أن المحكمة الدستورية العليا ستأخذ وقتًا طويلاً قبل الفصل في الموضوع، وأنها تختلف كثيرًا عن تلك الهيئة العظيمة التي قضت من قبل مرتين بعدم دستورية قانون الانتخابات، فأبطلت مجلسين للشعب أحدهما انتخب عام 1984م، والثاني انتخب عام 1987م، فالأيام غير الأيام، والقضاة غير القضاة، والأحوال غير الأحوال، وإذا انحازت المحكمة الدستورية للعدل، ولم تخضع للضغوط أو تلجأ إلى المواءمات، فإننا سنكون أمام مفارقة بالغة الدلالة، وهي بطلان أول وآخر مجلس تشريعي في عهد الرئيس مبارك.

أخطر تداعيات الانتخابات ما أصاب المواطن العادي من فزع ورعب للمشاهد التي صاحبت يوم التصويت؛ من بلطجة، وعنف، وشراء للأصوات، والذمم، وحصار للجان الانتخاب، وتسويد للبطاقات الانتخابية، واعتداء على بعض القضاة الشرفاء، أي باختصار ذلك الإفساد المتعمد للعملية الانتخابية تمامًا في حراسة الشرطة والأمن الذي قام بدوره أيضًا في إفساد الانتخابات.

سيؤدي ذلك إلى “موت السياسة”، وفقدان الأمل لدى المواطنين من أي تغيير وإصلاح عبر القنوات السياسية السلمية؛ ما يعني فتح أبواب العنف أو اليأس والانسحاب من المجال العام إلى عالم الأوهام والمخدرات.

وعندما تصبح أحلام التغيير ضرورةً لصنع المستقبل، وعندما تتوالى أجيال الشباب دون فسحة أمل في العمل السياسي من خلال الأحزاب السياسية أو حتى التغيير البطيء من خلال الانتخابات الدورية؛ فإن النظام بذلك يفتح أبواب العنف الخطيرة التي لا يعلم أحد إلى أين تصل بنا وبالوطن كله؟

البدائل المتاحة أمام الشباب، الذين يشكِّلون النسبة الأكبر من المواطنين، ضئيلة ومحدودة، ففي الداخل لا توجد فرص تعليم حقيقية تنمي المهارات، ولا توجد فرص عمل كافية لاستيعاب ملايين الشباب، بعد أن تخلت الدولة عن دورها، وتركت الاقتصاد كما السياسة لرجال المال والأعمال، ولا توجد فرص هجرة إلى الخارج، سواء إلى الدول العربية أو الأجنبية كما كان في الماضي القريب، وبالتالي سنكون أمام مأزق خطير للوطن كله، وستتوالى الحرائق من جانب.

لن يجد الشباب أمامه إلا طريق الانسحاب من الحياة، وسيقع في براثن تجار المخدرات الذين باتوا يملئون أحياء القاهرة الكبرى والمدن بالمحافظات، ولقد روعني أنه خلال أسبوع واحد، وفي حي واحد (الطالبية) بالهرم سقط شابان ضحيتان للتنازع على بيع المخدرات في ذلك الحي، وسيتحول الشباب من مدمن إلى بائع إلى تاجر ومروج للمخدرات، كما كنا نراها في الأفلام، فإذا بها تتحول إلى واقع مرير نلمسه بأيدينا ونراه بأعيننا.

يزداد فزع المواطن العادي مما حدث من تزوير فاضح وتغيير واضح لنتائج الانتخابات؛ لأنه كان يأمل أن تستمر وتيرة الانتخابات على ما كانت عليه عام 2005م، أو نتقدم قليلاً إلى الأمام، ما يبعث لديه الأمل في المستقبل.

لكننا أصبحنا أمام تراجع خطير جدًّا، فبعد برلمان شكلت المعارضة فيه 24% من المقاعد إذا بنا أمام برلمان بلا معارضة تقريبًا؛ حيث لا تزيد على أحسن الفروض عن 3%.

وبعد أن كنا أمام معارضة عالية الصوت، صاخبة، تؤدي دورها في ظل الظروف الصعبة، إذا بنا أمام معارضة مستأنسة تمامًا، لا يعرفها أحد، ولا تمثل أحدًا.

لقد انتهت مؤسسة “البرلمان” أو “الهيئة التشريعية” أو “مجلس الشعب” من حياة الناس، وتم تأميمها بالكامل لصالح حزب رجال الأعمال، فمَن يدافع عن المواطن العادي؟ ومَن يرفع صوته بالمطالب العادية؟

وإذا كانت مؤسسة البرلمان نشأت تاريخيًّا لموازنة السلطة التنفيذية التي تفرض الضرائب والرسوم، ولمراقبة أعمالها، فإذا بنا اليوم كمواطنين فريسة وضحية لنخبة تمتلك كل شيء، وتسيطر على كل المؤسسات تنفيذية وتشريعية وأمنية، وتحتقر السلطة القضائية دون أي اعتراض؛ ما سيؤدي لا محالة إلى حالة من العنف المجتمعي ضد الحكومة، أو بين المواطنين، وبداية ذلك وقعت في إضراب أصحاب المقطورات وسيارات النقل والسائقين، ما أدى إلى اختفاء بعض السلع والخدمات وارتفاع أسعارها تدريجيًّا.

أصاب زلزال الانتخابات الأحزاب المصرية جميعًا بدرجات متفاوتة، وها نحن نرى بداية تصدع “الحزب الناصري”، ومحاولات لوضع “حزب التجمع الوطني التقدمي” اليساري على مسار جديد، وهزة كبيرة أصابت “حزب الوفد” الذي أنقذ تاريخه بقرار الانسحاب من جولة الإعادة، وقرار تجميد عضوية النواب الذين فازوا بالتزوير، ولم يلتزموا بقرار الحزب الذي أعلن عدم وجود هيئة برلمانية تمثله في البرلمان الجديد.

أما الأحزاب الهامشية التي لم يسمع بها أحد فلن تجد نفعًا محاولة تجميل صورة البرلمان بعضو واحد لكل منها، ولن ينفخ فيها الحياة أو الروح ذلك التزوير الذي منحها مقاعد لا تستحقها.

وإذا تصور البعض أن الحزب الوطني الحاكم نفسه لم يتأثر فهو واهم، فإن قرار تزوير الانتخابات بهذه الصورة الفجة قد دمَّر كل محاولات إصلاح الحزب التي بدأت منذ سنوات، ولم يعد هناك مجال لصاحب فكر أو رأي بعد ما حدث ليتكلم عن حزب وطني جديد له فكر جديد، ولن يتبقى داخل الحزب إلا المنتفعون به لمصالحهم الشخصية الخاصة جدًّا، ولقد كان لقرار ترشيح أكثر من مرشح على المقعد الواحد أثر خطير في تفكيك ما تبقى من التزام حزبي، وأدّى إلى نزاعات عائلية وقبلية وعشائرية، لن تندمل جراحها إلا بعد مرور سنوات وسنوات، وستتجدد مع كل انتخابات.

وإذا ازداد اقتناع النخبة الإدارية العليا والعسكرية بعدم جدوى الإصلاح عن طريق الحزب الوطني الحاكم، فإن ذلك سيفتح أبوابًا خطيرةً حول وسيلة التغيير عن طرق أخرى غير السياسة والانتخابات، وهو ما يصاحب عادة نهاية العهود الحاكمة.

أما الإخوان المسلمون، فإنهم وإن خسروا مقاعد البرلمان إلا أنهم أكدوا حضورهم الشعبي، وأفسدوا بمشاركتهم في الجولة الأولى خطط الحزب الوطني لصناعة معارضة شكلية، فجاء البرلمان بلا معارضة تمامًا.

وإذا كانت السياسة قد انتهت في جولة الانتخابات فإن مشروع الإخوان الشامل، دعويَّا وتربويًّا واجتماعيًّا، تتسع آفاقه بعيدًا عن السياسة، وسيجد الإخوان أمامهم عملاً ضخمًا بين الناس؛ لبعث الأمل فيهم من جديد لمواجهة تلك الأوضاع، ولمقاومة روح الإحباط واليأس التي زرعها النظام، ولتوعية المجتمع بخطورة التداعيات على الوطن كله، ولجذب الشباب بعيدًا عن تيارات العنف والمخدرات، وهذا دور خطير جدًّا لإنقاذ ما تبقى من سفينة الوطن قبل أن يغرقها النظام في بحور الفوضى والاضطراب.

وفي المجال السياسي سيكون التحدي الأكبر أمام الإخوان والقوى الوطنية هو النزول إلى الناس في القرى والنجوع، والمحافظات والبلاد، لتوعيتهم وحثهم على مقاومة الظلم والفساد والاستبداد، وعدم الاستسلام لمحاولات النظام التي تريد الضغط على الجميع لإخراجهم من الحياة العامة، بعد إخراجهم من البرلمان، وهو أمرٌ لو يعلمون عسير.

﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ (الشعراء).

———-

* عضو مكتب الإرشاد