الجمعة , 24 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

رسالة المرشد العام : ارفعوا الحصار عن غزة

رسالة من محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه، وبعد..

تشهد المنطقة العربية حراكًا سياسيًّا واضحًا وزياراتٍ لا تتوقف، بين الحكام والوزراء والمبعوثين، ويحجُّ البعض إلى واشنطن في جهود حثيثة لوضع لمسات نهائية على جولة جديدة من الخداع الأمريكي الذي استمر منذ عقود من الزمان لتخدير العرب والفلسطينيين، وتسويق وهم السلام ومسيرة السلام واستئناف المفاوضات التي لم تؤدِّ إلى شيء ملموس منذ انعقاد مؤتمر مدريد الذي جاء في أعقاب تدمير العراق وحصاره بعد تحرير الكويت.

ومع كل جولة من المؤتمرات والمفاوضات كان يصاحبها تدمير بلد عربي أو بلد مسلم دون أن يحصل الفلسطينيون على شيء حقيقي، فلا دولة ولا سيادة ولا أمن ولا قدس ولا عودة للاجئين، ولا سيطرة على الحدود أو المياه، بل أوهام وراء أوهام وسراب يعقبه سراب.

واليوم نرى العراق محطمًا مدمرًا، تسوده أجواء الحرب الأهلية والفتنة الطائفية تحت الاحتلال الأمريكي، وسوريا ولبنان تعيش أزمات ما كاد تنتهي واحدةٌ حتى تندلع أخرى، والعدو الصهيوني يعمل على إنهاء حالة المقاومة في لبنان، والسودان لا يكاد يصل إلى حل لحرب الجنوب التي استمرت عشرين سنة فإذا بأزمة دارفور تندلع وتصل إلى مشارف التدويل وتنفجر المشكلات في الشرق الأوسط والجنوب حتى في الشمال، والصومال أصبح ممزقًا تسيل دماء أبنائه كل نهار، وعلى الحدود العربية وفى المحيط الإسلامي نجد أفغانستان تحت الاحتلال وتقتل القوات الأمريكية وحلفاؤها يوميًّا عشرات المدنيين، وباكستان تدفع ثمن رضوخها للأوامر الأمريكية من دم أبنائها كل يوم، ويتمُّ تدمير أقاليم كاملة كـ(سوات) ووزيرستان، وإيران تعيش تحت الحصار والتهديد بحرب يشنها عليها العدو الصهيوني وينتظر فقط الضوء الأخضر من أمريكا وأوربا.

ما الذي تغير الآن حتى نشهد تلك الحركة المحمومة؟!

يقولون لنا: إن نتانياهو تغيَّر، وهناك تقدم في موقفه، وهو الذي يشيِّد كل يوم عشرات ومئات المنازل في القدس و”المستوطنات”، وتستمر الحفريات الإجرامية حول وتحت المسجد الأقصى، وتتوالى الانهيارات التي تهدد الحرم الشريف، وتقتل قواته بمساعدة قوات الأمن الفلسطيني الخاضعة لتعليماتها بدم بارد المقاومين في الضفة الغربية.

ويقولون للعرب: إن أوباما لديه رؤية جديدة، وهو الذي تراجع أمام إصرار نتانياهو وتبخَّرت كل كلماته المعسولة في الهواء، ويرسل آلاف الجنود إلى أفغانستان، ويتجهز لإرسال المزيد إلى اليمن، ويؤيد الحكام الديكتاتوريين في العالم العربي والإسلامي، ويرعى الفاسدين، وعاد ليعيش تحت وهم خطر الإرهاب من جديد، وتضغط عليه عصابات الحرب والمحافظين الجدد للعودة إلى سياسات سلفه بوش بوضوح، وصدق الله العظيم (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) (الأنفال: 73).

إننا نقول لهؤلاء المنبطحين أمام الجبروت الأمريكي والهيمنة الصهيونية ويخافون غضبة الشعوب وامتداد المقاومة ويخشون التغيير والإصلاح ويحتقرون شعوبهم ويستخفون بعقول الناس.. نقول لهم: لن تخدعونا مرةً أخرى، ولن تستطيعوا تسويق الوهم لنا ولا للشعب الفلسطيني، ونذكِّرهم بقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (آل عمران: 118-119).

نقول للجميع: إن الشريعة الإسلامية وكافة الشرائع السماوية، وإن المواثيق الدولية والاتفاقيات المرعية في جنيف وغيرها، والقرارات الدولية والإقليمية من الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية، بل وكلماتكم أنتم أنفسكم، والشعارات التي أطلقتموها.. كل ذلك يقرر أن ما يحدث في حق قطاع غزة من حصار وتجويع وتدمير، وما يحدث في حق الشعب الفلسطيني كله من حصار وتشريد، وما يحدث في القدس من تخريب وهدم وتهويد وما يحدث تحت المسجد الأقصى من حفريات وتدمير.. كل ذلك جرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب تستحق العقاب السريع لكل من يشارك فيها أو يصمت عليها.

إننا نقول للحكام العرب: إن مواقفكم الضعيفة العاجزة تدل على انفصالكم التام عن مصالح شعوبكم وبلادكم، بل تدل على تفريطكم الواضح في أمن بلادكم الوطني والقومي؛ ما يهدد مستقبل المنطقة كلها بمزيد من الحروب وعدم الاستقرار؛ لأن الظلم يولِّد الانفجار، والطغيان يستجلب الغضب، والاحتلال والخضوع يؤدي إلى المقاومة، والقوة لا يمكن مواجهتها إلا بقوة تكافؤها، ونرجو أن يدرك الحكام وتدرك الأنظمة أن موقفها المشرف من القضية هو أكبر داعم لها أمام شعوبها، وأن صبر الشعوب له حدود.

إن ما يحدث الآن من حصار ومنع وضرب لمئات وآلاف الأحرار الذين توافدوا من أكثر من 40 دولةً، يريدون كسر الحصار على غزة، فإذا بهم يجدون أن الحصار يتم بأيدٍ عربية وبرضا طرف فلسطيني وبتواطؤ العالم الذي يصمت على تلك الجريمة البشعة ضد الشعب الفلسطيني.

تحيةً لهؤلاء الأبطال الأحرار الذين تحدَّوا الصعوبات، وسافروا لآلاف الأميال، وتعرَّضوا لكل هذا العنَت والظلم، وجمعوا القليل من المساعدات عندما تخلَّى الأثرياء العرب عن واجبهم الشرعي والإنساني، تحيةً لهم وقد فضَّلوا قضاء العطلات أيام الأعياد مع المحاصرين المرابطين الأبطال، وقد ذكَّرنا هؤلاء الأفاضل بما فعله عدد من زعماء قريش لنقض صحيفة المقاطعة التي آذت المسلمين في شعب أبي طالب، فدفعتهم مروءتهم وفطرتهم إلى اتخاذ موقف إنساني كريم أدَّى إلى إنهاء الحصار، ومن باب معرفة الفضل لأهله وشكر الجميل الذي يحضنا عليه الإسلام نقدِّم شكرنا وتقديرنا لهذه الفئة الكريمة.

ونقول للشعوب العربية والإسلامية: لا عذر لكم أمام جهود هؤلاء الذين جاءوا كالأنصار من بعيد، وأنتم أقرب إلى فلسطين وأهل فلسطين، ما الذي يمنعكم من التصدي للظلم ورفع الصوت عاليًا ضد تخاذل الحكام؟ وما الذي يمنعكم من سلوك كل السبل لجمع المزيد من المعونات ليستمر صمود إخوانكم في غزة وفلسطين كل فلسطين، في القدس وأرض 1948 والضفة وحتى في الشتات (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) (الأنفال: من الآية 72).. فالصمت الآن جريمة نكراء، والبخل والشح اليوم مشاركة في قتل الشعب الفلسطيني.

واجب الوقت اليوم هو كسر الحصار على غزة وفتح معبر رفح، وإتمام المصالحة الفلسطينية ضد العدو الصهيوني، ودعم صمود الشعب الفلسطيني في كل مكان، ومدّ أهل القدس بكل أنواع الدعم للبقاء فيها، والبناء على أرضها، ومنع تهويدها وحماية المسجد الأقصى، واحتضان شعب فلسطين في أرض 1948 للتمتع بكل حقوقه كأهل البلد الأصليين ضد الغزاة المحتلين.

واجب الوقت اليوم هو احتضان المقاومة ضد العدو الصهيوني، فهي لم تكن يومًا ضد الحكام العرب ولا النظم العربية، وإهمال الرؤية الأمريكية والخداع الصهيوني وعدم التساوق مع تلك الأطروحات التي لا تعني إلا مزيدًا من كسب الوقت لصالح الاحتلال وإيجاد قطيعة بين النظم والحكام وبين الشعوب التي تؤيد المقاومة.

واجب الوقت الآن هو أن يقول الحكام بكل صراحة وشجاعة للرئيس الأمريكي : لا.. لن نستمر في مفاوضات عبثية إلى ما لا نهاية، وأن يعودوا إلى شعوبهم ويرعوا مصالح أمتهم وأوطانهم، وأن يتصالحوا فيما بينهم ويتحدوا ضد العدو الواحد الذي لا خلاف عليه : العدو الصهيوني.

واجب الوقت اليوم هو أن تتحلى النخب السياسية والفكرية وقادة الأحزاب والقوى السياسية بالشجاعة اللازمة للوقوف ضد المارينز الأمريكي السياسي والإعلامي، وضد رجال الأعمال الذين يقدمون مصالحهم الخاصة على مصالح الوطن والجموع الغفيرة من أبنائه، وأن يفضحوا كل هؤلاء ويضعوهم في حجمهم الطبيعي ويتصدوا لأضاليلهم وأكاذيبهم.

واجب الوقت الآن على كل لجان الإغاثة ودعم المقاومة ومقاومة التطبيع أن تنشط بعد كسل، وأن تنهض من غفوتها، وأن تقوى في وجه الطغيان، وأن تتحمَّل كل المشقات، وأن تتحد وتنسق فيما بينها لتمد شعب فلسطين بشرايين الحياة التي لا تكتفي بوقوفه على قدميه وبقائه على قيد الحياة، بل تعطيه القوة والمناعة لمواجهة آلة الحرب الصهيونية وإنزال الهزيمة بها.

وعلى الشعوب العربية والإسلامية أن تتحلى بالشجاعة والقوة والحكمة والمصابرة في وجه الطغيان الأمريكي والعدوان الصهيوني والديكتاتورية والفساد المحلي، وأن تجبر الجميع على احترام إرادتها الحرة، وأن تستعين بالله عز وجل لمواجهة أعباء تلك المرحلة الخطيرة التي تمر بها الأمة مرحلة الهيمنة الصهيونية.

(إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ).