الجمعة , 24 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

يا ملح الأمة.. أصلحوا بين أخويكم … د صلاح سلطان

د. صلاح الدين سلطان

ألجمت جوادي المرابط دفاعًا عن ديني وأمتي، وكفكفت قلمي عن الكتابة في الأُزيمة بين أكْفاء كرام في هذه الجماعة المباركة- الإخوان المسلمون- لانشغالي بمقارعة الأندال من الصهاينة وعملائهم في أرض الإسلام كما قال الشاعر:

قالوا نزال فكنت أول نازل                          وعلامَ أركبه إذا لم أنزل

لكني لما رأيت الكيل قد فاض من حولي، وانخرم ثقب في جدار الأخوة بين أحبَّائي، وأنسانا الشيطان عهدًا وميثاقًا على الفهم والإخلاص والعمل والجهاد والتضحية والثبات والتجرد والأخوة والثقة والطاعة، رأيت أن أدلو بدلو صفو من معين أنهار التربية الرائقة التي تعلمناها صغارًا، وأصَّلناها وعشناها شبابًا، ونشرناها كبارًا، وسوف أوجه كلمتي حبًّا وإكبارًا لكل من جرَّد نفسه لله عملاً وبذلاً ليلاً ونهارًا لإخواني في داخل هذه الجماعة خاصة صغارًا وكبارًا، ولن أخوض في تفصيلات ما سموه أزمة وهي عندي أُزيمة، وإنما سأقدم منهجيات، وهي طرائق تعالج بها المشكلات، وأصول نحلُّ بها التفصيلات، وأهم هذه المنهجيات ما يلي:

أولاً: التضرع والدعاء لتأليف القلوب ودفع البلاء:

من المعلوم من القلوب بالضرورة أنها بين أصابع الرحمن، فلو توجه كل حكماء الإخوان كي يصلحوا بين اثنين، أو يجمعوا بين قلبين، بل لو بُعث الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم بكل ما أوتي من الحكمة وفصل الخطاب ما استطاع أحد أن يجمع بين قلبين مختلفين؛ فهذا ما اختص به رب الأرباب وملك القلوب، كما قال سبحانه: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِم لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)﴾ (الأنفال)، وقال تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)﴾ (النساء)، فالتأليف والتوفيق بيد الرحمن، فأدعو جميع الإخوان إلى صيام بالنهار، وقيام بالليل، أن يجمع القلوب، وأن يرطِّب النفوس، وأن يشرح الصدور، وأن يؤلف بين عباده المؤمنين، ويجتهدوا في التضرع، فإن الله تبارك تعالى يقول: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ (الأنعام: من الآية 43)، وقد مسنا ضرٌ، ونالنا ضيْرٌ، واشتد بأس عدونا بالتقاط الأقوال من هنا وهناك؛ مما يستوجب البدء بهذا المفتاح وهو الدعاء، وهو صلب العبادة، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي بسنده عن النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الدعاء هو العبادة”.

ثانيًا: إذا هوجم الإسلام انتفضنا وإذا هوجم الأشخاص احتسبنا:

نحن جماعة قامت؛ كي تعيد للإسلام عزته، وتمكن لهذا الدين في الأرض، ولتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، فيجب أن نبقى دائمًا نتعامل وفق هذا المعيار حتى نلقى الله، ونحن في سبيل ذلك نهتف من أعماقنا مخلصين: (الله غايتنا، والرسول زعيمنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا)، وأحسب أنكم صادقون في حمل هذا الشعار، وإن كان النسيان من أسلحة الشيطان كما قال الرحمن:﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ (الكهف: من الآية 63)، فإذا كان الله غايتنا فيجب أن تكون حميتنا غيرة على دينه، ودفاعًا عن حرماته ومقدساته، وإذا كان الرسول زعيمنا فما غضب الرسول لنفسه قط، ولكن إذا انتهكت محارم الله غضب، وهو الذي قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي بسنده عن أبي الدرداء: “…فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: إنها تحلق الشعر ولكن تحلق الدين”، وإذا كان القرآن دستورنا فهو ينادينا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)﴾ (الحجرات)، وإذا كان الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا فلا مكان لفرقة أو اختلاف، وإنما نحن أصحاب وحدة وائتلاف، ننبذ حمية الجاهلية، ونأوي إلى غيرة وحمية للأقصى الأسير وغزة المحاصرة؛ لنقاوم الصهاينة المعتدين، والأمريكان الصليبيين، والشيوعيين الملحدين، والهندوس الظالمين، والعلمانيين المتحللين، وتجار المخدرات والجنس الملاعين الذين يقتلون ويفتنون كل يوم الكثير من أبنائنا وبناتنا وفلذات أكبادنا أجمعين، نحن أمام تحديات خطيرة أربعة أهمها: الاستعباد الخارجي، والاستبداد الداخلي، والفساد المالي، والتراجع الأخلاقي والحضاري، فلا وقت أمام هذه التحديات إلا الانتصار للحرمات واستعادة المقدسات لنبقى دائمًا نحمل هموم أُمَّة لا هموم أمَة.

ثالثًا: إذا عاملت الحق فأخرج الخلق، وإذا عاملت الخلق فأخرج النفس، وإذا عاملت النفس فأخرج الهوى:

فنحن في هذه الجماعة التي قامت لله عز وجل يجب أن تذوب الجماعة وأفرادها جميعًا في هذه الغاية الكبرى: (رضا الله والجنة من خلال التمكين لدينه في الأرض)؛ ولذا يجب أن يظل من ثوابتنا أن الأفراد واللوائح والتنظيم يخدمون الدعوة والرسالة، ولا تخدمهم الدعوة والرسالة، فنحن إذن أمام ثلاثة أشياء يجب ألا نخلط بينها:

1- الأهداف الرسالية الكبرى.

2- الجماعة، وهي وسيلة إلى التمكين للإسلام لا لنفسها في هذه الأرض.

3- الأفراد والأشخاص الذين تعاهدوا للتمكين للإسلام من خلال الجماعة.

والواجب يقتضي أن يذوب الأفراد في الجماعة، وأن تذوب الجماعة في تحقيق الهدف، ولا يجوز أن ننسى الأهداف الرسالية، فقوة الأفراد عقليًّا بالفكرة القوية، وقلبيًّا بالتزكية الإيمانية، ودعويًّا بالحركة الفتية يجب أن تصب في نهر الجماعة الذي يتحوَّل إلى رِيٍّ لكل ظمآن؛ سواء في الجماعة أو غيرها، وأن تُستصلح به صحراء القلوب وبيداء النفوس لتنمو الأشجار، وتكثر الأزهار، وتزداد الثمار في العالم كله، فلا يجد كل حيران وفقير ومظلوم ريًّا أنقى من هذا النهر العذب، والعرب تقول: (المورد العذب كثير الزحام)، فيعودون وقد تشبَّعت نفوسهم بهذا الري، وتضلَّعت قلوبهم بهذا الخير فيحملون رسالة الله وينصرونها، ولا يجوز أن ننسى الأهداف ونتذكر الجماعة ولوائحها ونظمها وأن ننتقل من الجماعة إلى الأفراد، وأن ينحاز فريق إلى فرد ليدافع عنه؛ لأننا نكون آنئذٍ- ولو من غير قصد- قد تناسينا الرسالة والجماعة وتحوَّلنا إلى “الشخصنة”، والالتفاف حول الأفراد والله تعالى يقول: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44)﴾ (النمل) وليس لسليمان، ويقول تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: من الآية 29)، فذكر لهم أول صفة أنهم لم يؤمنوا لفرد وإنما آمنوا مع رسول الله بالله عز وجل، وآمنوا بالرسول ولم يؤمنوا له، وأن شدتهم وغلظتهم على الظالمين، ورحمتهم ورأفتهم على المؤمنين.

وأرجو أن يراجع في هذا مقالي: “مفارقات بين المعية والتبعية”، فهو يردُّنا إلى أن نتذكر دائمًا أننا أصحاب رسالة وحملة أمانة، ونحن ندعو متضرعين كل مساء في ورد الرابطة، متذكرين إخواننا السابقين واللاحقين كجماعة تجردت لنصرة هذا الدين قائلين: “اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك، والتقت على طاعتك، وتوحدت على دعوتك، وتعاهدت على نصرة شريعتك، فوثق اللهم رابطتها، وأدم ودها، واهدها سبلها، واملأها بنورك الذي لا يخبو، واشرح صدورها بفيض الإيمان بك، وجميل التوكل عليك، وأحيها بمعرفتك، وأمتها على الشهادة في سبيلك، إنك نِعم المولى ونِعم النصير”، فلو تشبَّعنا بهذا الدعاء سنعامل الحق وحده، ولن نبالي بالخلق أجمعين، وإذا عاملنا الخلق أخرجنا حظوظ النفس كلها، وإذا رجعنا إلى النفس أخرجنا كل نتوءات الهوى، ونزغات الردى؛ عسى أن يحبنا ربنا ويرضى، ولا يفتنَّا الشيطان والهوى فَنَرْدَى.

رابعًا: اختلاف العقول ثراء واختلاف القلوب وباءً:

إن من نواميس الله بل من آياته الرائعات اختلاف الألسنة والعقول: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ (الروم: من الآية 22)، واختلاف اللسان يقتضي بالضرورة اختلاف العقل والفكر بين بني الإنسان، يقول الشاعر:

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما                جعل اللسان على الفؤاد دليلا

ومن المعلوم من الطب بالضرورة أن التوائم المتماثلة التي خرجت من بويضة واحدة تختلف عقلاً وفكرًا، ومن المعلوم من الأدب العربي بالضرورة أيضًا أنه لم يتفق شاعران على بيت كامل، وأقصى درجات الاتفاق هو شطر بيت، وبالتالي فمهما كانت وسائل التربية التي تهدف إلى التعارف والتفاهم والتكافل والتوادد والتحابب بين الإخوان، ومهما دققنا في اللوائح، وتحرينا أعلى درجات الضبط على يد رجال اللغة والقانون، فسيبقى تفسير كل فرد ظلاً خاصًّا به، وهذا كله ثراء إذا وصلت القلوب إلى حدها الأعلى؛ وهو الإيثار، وتلك درجة المقربين، أو احتفظت بحدها الأدنى؛ وهو سلامة الصدر، وهذه درجة أصحاب اليمين، فإذا نزل الاختلاف من سماء العقول إلى بساط القلوب فسنخرج إلى أصحاب الشمال، وتصير الحالقة التي تحلق الدين، ونصل إلى التنازع وهو مقدمات الفشل في الدنيا، لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)﴾ (الأنفال)، وتعم الفرقة وهي مقدمات العذاب في الآخرة، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (آل عمران)، فاختلاف القلوب بناءً على اختلاف العقول هو عين الجفاء، وجهد البلاء، وطريق الشقاء، وغاية الأعداء، وغضبة رب الأرض والسماء، أما المتحابون بجلال الله، والمتزاورون في الله، والمتجالسون في الله، والمتباذلون في الله، فهم على منابر من نور يغبطهم الأنبياء والشهداء والأولياء على قربهم ومنازلهم من الله تعالى، فقدِّموا الهدية على الحجاج واللجاج، والكلم الطيب على القول الفصل، ولغة الالتقاء والولاء على لهجات الانتصاف والمضاء، واكسبوا القلوب واخسروا المواقف، واستمروا في الطريق ولا تخسروا الرفيق.

خامسًا: الحرية الكاملة عند التشاور والالتزام الكامل بعد القرار:

لا تصلح جماعة ولا هيئة ولا شركة ولا دولة بغير مساحات شاسعة من الحرية التي لا تضبطها إلا القيم العقدية والأخلاقية والتشريعية، وفي داخل هذا الإطار يجب أن يُسمح قبل اتخاذ أي قرار بأعلى مستوى من المناقشة والحوار، وطرح الرؤى والأفكار، فإذا انتهينا بعدها إلى اتخاذ القرار، فأبجديات الالتزام بل الاحترام لعقول الآخرين أن ينزل الجميع على هذا القرار، فكما لا يجوز اختزال الشورى أو التموج وراء أصحاب الملكات الفردية، ونسيان المصالح الرسالية قبل اتخاذ القرار أو إهمال رأي فرد مهما كان ضعيفًا متضاعفًا أو غريبًا شاذًّا؛ فإن هذه كلها ثراء إن لم يُفِد اليوم في الانطلاق والإيجابيات أفاد غدًا- بإذن الله- في جانب الاحتراز وتجنب السلبيات، فكما لا يجوز ذلك قبل اتخاذ القرار لا يجوز بحال أن يخرج أحدٌ- مهما كان عاليًا في القلوب- على قرار الجماعة أو الهيئة أو المؤسسة أو الدولة، هذه أبجديات أي عمل جماعي وأي تجمع بشري، بل صارت قوانين النجاح لكل مسلم أو كافر، والبديل هو الطغيان الذي يوصلنا إلى نسيان الرسالة والجماعة، لقول الشاعر:

رأي الجماعة لا تشقى البلاد به              رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها

والاستمرار في هذا النهج يؤول إلى الفرعنة: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29)﴾ (غافر)، وذروتها: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى(24)﴾ (النازعات)، وهي مسألة ألحَّ القرآن على نبذها وكراهيتها وبغضها حتى لا يصيبنا سيلها ولا رذاذها، نارها أو لفحها.

سادسًا: الحكمة في تقدير الخلاف:

هناك اختلافات متوقعة ومحتملة، بل تشير إلى ظاهرة صحية عالية المستوى عندما توجد آراء عدة في قضية واحدة؛ تأكيدًا لركيزة التشاور لكن عندما نفقد الحكمة تكبر الصغائر وتضمر الكبائر، وننسى الفضائل، والمسألة برمتها منذ بدأ الخلاف من عدة أشهر يدور حول تفسير اللوائح وتطبيقها، وليس في ثوابت الجماعة وأصولها، سواء الفكرية أو التربوية أو الحركية ومنها الفهم الشامل للإسلام كما فعلت بعض الجماعات نصًّا، وأخرى تطبيقًا في عدم الدخول في السياسة بمعناها الموسع لا المضيًّق، وبهذا تم اختزال الدين في الجوامع مثل النصرانية “دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر” أو كتب الشيخ علي عبد الرازق في الإسلام وأصول الحكم، وهو أمل الإنجليز منذ بدء الدعوة، وأمل كل الأنظمة من الإخوان اليوم، ولم يكن الخلاف حول جوهر عمل الإخوان بل خاصيتهم الأولى الآن وهي “التربية والتزكية” في التخلي عنها، أو تركها لمزاج كل فرد في الجماعة، أو نتحول إلى جماعة تدرس المتون وتتخلى عن الالتزام بها، وتُكثر الرواية دون الدراية، أو تحفظ النصوص ولا تُصلح بها الواقع، أو تطيل القراءة في الصلاة ولا تصنع بها الحياة، أو تستجيب لضغوط الأنظمة كي تدفعها إلى العنف الداخلي، ويُجتث السلام الاجتماعي والتغيير بالمنهج النبوي الذي لم يقم بعمليات اغتيالات لقادة الكفر بمكة؛ كي يقيم الدولة الإسلامية، كما تفعل بعض الجماعات اليوم، ولم تقل الجماعة نحن سنهتم بالتعريف بالفهم الشامل الوسطي، والتربية عليه دون مشاريع عملية في كل جوانب الحياة التي تفيد أمتنا كما قال الإمام الشهيد: “التعريف والتكوين والتنفيذ”، فهذه أصول لم ولن تتخلى عنها الجماعة، أما خلاف تفسير اللوائح الإدارية فأمر هيِّنٌ ليِّنٌ سرعان ما تمضي عجلة الجماعة بقوتها وأهدافها ونضج رجالها ونسائها وشبابها وفتياتها تستوعب كل هذه الأزيمات.

سابعًا: التحكيم الشرعي طريقنا إلى الصلح وحسم الخلاف:

إذا ظلت هذه المقدمات غير شافية ولا كافية في حسم مادة الخلاف، واختلط الحابل بالنابل، ودخل الإعلام في قرارات الاتهام، وصار الرويبضة يفتي في أمر العامة، والرُعاء يُذْكون نيران الفرقة بالإثارة لا الحقيقة، وبالعماية لا الهداية وجب علينا جميعًا أن نؤول إلى التحكيم الشرعي قياسًا على الصلح الأسري إذا دبَّ الشقاق وهُدد الوفاق، واستُدعي الطلاق واستُبعد التلاق، آنئذٍ يجب أن ينتفض الحكماء من هنا وهناك، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (النساء: من الآية 35)، ومن قياس الأولى أن نحل الأزمات داخل الجماعات والشركات أو بينها، وبين الدول بعضهم البعض؛ ولذا أقترح هنا إذا لم تكفِ هذه المنهجيات السابقة أن يرشح كل فريق من فرقاء اختلاف العقول لا القلوب- إذا جازت العبارة- وأن يرشح كلٌّ حكمًا يمثله، ثم يختار الحكمان حكمًا ثالثًا مرجحًا عند الحكم في القضية، ويستحسن أن يكون هذا الحكم الثالث من خارج الجماعة من حكماء وعلماء هذه الأمة وهم كثر بفضل الله تعالى، بشرط أن يوقع كل طرف (إذا جاز هذا التعبير بضرورة الصلح) على الالتزام الكامل بحكم لجنة التحكيم الشرعية، فإذا صدر الحكم صار الأمر مُلزمًا لا مُعلمًا، ووجب على جميع أفراد الجماعة أن ينصحوا من لم يرضَ بالحكم أن يعود إلى سابق عهده، وأصالة دربه، والوفاء بوعده، فإن لم يقبل كان الرجاء أن يتنحى في هدوء، ونرسل له الدعوات في جوف الليل، ووضح النهار أن يرده الله ردًّا جميلاً إلى أحضان دافئة تحبُّه وتجلُّه وترجو له الفيء الحسن، والعودة القريبة تخلقًا بأخلاق الله تعالى الذي يفرح بتوبة عبده إليه كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة: “لله أشد فرحًا بتوبة أحدكم، من أحدكم بضالته، إذا وجدها”.

أخيرًا.. كنت أود لو قضيت هذا الوقت في مشواري كتابةً لأمتي في تأصيل قضية فقهية أو تعميق فكرة تربوية لكن القاعدة الأصولية: “لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة”، فوجب البيان وعلى الله قصد السبيل، وهو ربنا وهو نِعم المولى ونِعم النصير.

———-

* بقلم: أ. د. صلاح الدين سلطان

أستاذ الشريعة الإسلامية – جامعة القاهرة
الرئيس السابق للجامعة الإسلامية الأمريكية – ميتشيجن.