الإثنين , 20 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

تفجيرات الإسكندرية إفساد في الأرض

الحمد لله ولي كل نعمة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد نبي الهدى والرحمة، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.

وبعد؛ فقد فجع المخلصون في هذا الوطن لما حصل في مدينة الإسكندرية من اعتداء آثم على حرمة الوطن ودماء المواطنين، بالتفجير الهمجي الذي هز قلوب المخلصين، وأراد أن يهز معها وحدة وطن عظيم، صانها الإسلام على مدار القرون بسماحته وحمايته لغير المسلمين من أبناء هذا الوطن العزيز، وإيصاء المسلمين بالبر بهم والإقساط إليهم، وتحذيره من التجاوز معهم أو الاعتداء عليهم، فقال تعالى   ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة/8]  وأخرج البخارى في صحيحه، في  باب: إِثْمِ مَنْ قَتَلَ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ جُرْمٍ، من كتاب: الديات، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا » وأخرج البيهقى في السنن الكبرى، في باب: مَا جَاءَ فِي إِثْمِ مَنْ قَتَلَ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ جُرْمٍ يُوجِبُ الْقَتْلَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : « إِنَّ رِيحَ الْجَنَّةِ يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ مِائَةَ عَامٍ، وَمَا مِنْ عَبْدٍ يَقْتُلُ نَفْسًا مُعَاهَدَةً إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَرَائِحَتَهَا أَنْ يَجِدَهَا ». قَالَ أَبُو بَكْرَةَ : أَصَمَّ اللَّهُ أُذُنَيَّ إِنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ هَذَا.

إن كل مخلص لدينه ووطنه ليدين هذه الجريمة النكراء وهذا الإفساد في الأرض والبغي بغير الحق، ويذكر فاعليها والواقفين وراءها بقول الله تعالى ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة/32].

إن هذه الجريمة المنكرة التي نالت من المسجد والكنيسة المتجاورين ومن المسلمين والمسيحيين الذين تواجدوا في المنطقة لتشير إلى أن ثمة أيادي مجرمة تريد الإفساد في الأرض والعبث بوحدة هذا الوطن وسلامه، وربما كان اختيارها للمكان والزمان مؤشرا على هذه الخطة الخبيثة، بحيث ينظر المسيحيون للأمر باعتباره موجهاً إليهم إذا أصيبت فيه الكنيسة وروادها، ويقع في قلوب المسلمين أنهم المقصودون إذا أصيب المسجد، ويكون ذلك مبررا – لا سمح الله – لانفجار عنف طائفي يهلك البلاد والعباد. وهذا ما ينبغي على العقلاء التنبه له والتحذير منه والتأكيد على رفضه بكل قوة.

والذي لا ريب فيه أن المجرمين المفسدين في الأرض الذين فعلوا ذلك إنما أرادوا الوطن كله بجريمتهم التي تستنكرها الأديان وتستشنعها الإنسانية.

إننا نطالب الأجهزة المعنية بأمن هذا الوطن بالسرعة والدقة والشفافية والوضوح في كشف ملابسات هذه الجريمة النكراء، وبالحسم في معاقبة المجرمين الحقيقيين الذين وقفوا وراءها أيا ما كان دينهم أو موقعهم؛ حماية لوحدة الأمة ودرءا لمخاطر الفتنة.

حمى الله مصرنا العزيزة من عبث العابثين ورد عنها كيد المجرمين ووقاها شر دعاة الفتنة والمفسدين. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

أ.د. عبد الرحمن البر
أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر
وعضو مكتب الإرشاد