الأربعاء , 22 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

دلالات جريمة الإسكندرية وتداعياتها

بقلم: د. عصام العريان

تمثل الجريمة البشعة التي وقعت أمام كنيسة القديسين والمسجد المواجه لها بحي سيدي بشر بالإسكندرية تطورًا خطيرًا وعلامةً فارقةً وجرس إنذار للمصريين جميعًا؛ للنظام الحاكم وسياساته العامة، ولجهاز الأمن وتحديًا لقدراته على مواجهة مثل تلك الجرائم الإرهابية، وللتيار الإسلامي بكل تنوعاته وإمكانية القيام بالدور المطلوب منه لإزالة الاحتقان الشديد بين المسلمين والمسيحيين، وللنخبة السياسية والفكرية التي لم تستطع حتى الآن الارتفاع إلى مستوى المسئولية عن وطن بأكمله بل للمجتمع كله الذي تحول إلى جزر منعزلة وطوائف متفرقة بل إلى انشغال كل فرد بنفسه وأسرته ومصالحه الخاصة على حساب المصلحة العامة.

خطورة تلك الجريمة وتداعياتها أنها وضعت المسيحيين في مواجهة الدولة التي بدت عاجزة عن حمايتهم خاصة أثناء خروجهم من دار للعبادة بعد قدّاس للصلاة، وأنها تكررت بنفس السيناريو تقريبًا بعد عام من جريمة مماثلة في أقصى الصعيد، وتلك الآن في أقصى الشمال، وكان واضحًا تمامًا الهتافات والصدامات التي ازدادت حدتها بين متظاهرين خرجوا من الكنائس بالمئات بل والآلاف أحيانًا، وبين قوات الأمن التي لم تستطع كبح جماح تلك المظاهرات، وأيضًا الهتافات العدائية وتلك التي تستجدي الحماية الخارجية، وبعد أن كنا نسمع تلك النداءات من أقباط المهجر إذا بنا اليوم نسمعها من الداخل المصري دون أي تردد، أو خشية، وأصبح النظام عاجزًا عن الإجابة عن أسئلة المطالب التي ترفعها الكنيسة باسم المسيحيين وبعضها مشروع تمامًا، وبعضها يمكن مناقشته في إطار الهم الوطني العام، ولم تعد لعبة التوازنات تفيد النظام بأي فائدة، ولم تعد المسكنات مجدية في التعامل مع ملفات متفاقمة تزداد حدتها يومًا بعد يوم.

ولم تنجح القوى السياسية حتى تلك التي تتقمص دور الدفاع عن الأقباط كحزب التجمع اليساري، أو تلك التي لها تاريخ عظيم في الدفاع عن الوحدة الوطنية واستوعبت المسيحيين في نشاطها، لم تفلح في أن تحوّل المطالب المسيحية إلى مطالب وطنية في إطار منظومة وطنية شاملة للإصلاح، ولم تستطع أن تجذب الكنيسة بعيدًا عن تأييد الحزب الوطني، والنظام حتى بعد أن فشل الحزب والنظام في ترضية المسيحيين، بل تحولت الكنيسة إلى حزب طائفي ديني، وتحول المسيحيون إلى حزب سياسي بكل معنى الكلمة، وإن لم يكن يهتم بمطالب الإصلاح الشامل إلا أنه بللور أجندة مطالب خاصة بطائفة، ولم يدرك بعد أن النظام غير قادر على تلبيته تلك المطالب إلا في إطار وطني عام، وبعد تغيير شامل يجعل المصريين حقًّا بكل توجهاتهم هم أصحاب القرار في بلدهم بعد أن احتكرت نخبة ضيقة جدًّا الحكم والثروة واستبدت بالأمر كله.

إذا لم يدرك الأخوة المسيحيون أبعاد الموقف وتعاملوا مع تلك الجرائم على أنها أداة للضغط على النظام وابتزازه إلى أقصى مدى واللجوء إلى الاستعانة بالخارج الذي بدأ يستجيب لتلك النداءات، فإن حجم الكارثة التي ستترتب على ذلك سيكون أفظع من الجريمة النكراء البشعة نفسها، لأن الحريق قد يمتد إلى الوطن كله ويتحول إلى طوائف متناحرة خاصة أن النظام لا عقل له ولا منطق لديه، وليس لديه ما يقدمه من حماية حقيقية باعتراف الأمن نفسه الذي أعلن مسئولوه أنهم لا يمكنهم بحال من الأحوال منع الجرائم الإرهابية، وقد صدقت الأحداث تلك الحقيقة، فأمن المجتمع مسئولية المجتمع كله، وإذا لم نشارك جميعًا في تخفيف حدّة الاحتقان، ومنع الظواهر السلبية التي تكرس الطائفية وفي مواجهة النظام المستبد الفاسد جميعًا من أجل إصلاح شامل كامل يؤثر في حياة المصريين جميعًا فلن نستطيع مواجهة تداعيات تلك الجرائم، وسيبقى المجتمع المصري هشًّا قابلاً للاختراق من داخله أو من خارجه، وسيزداد طابور اليائسين الباحثين عن جدوى لحياتهم في وطن يهمشهم فلا يجدون سبيلاً إلا التجسس لحساب العدو، أو الانتماء لتنظيمات عدوانية متطرقة إرهابية أو الانتحار اليائس مع أكبر قدر من الضحايا… إلخ.

وهنا يأتي دور المسلمين جميعًا وخاصة التيار الإسلامي بتنوعاته المتعددة لاحتواء حجم الغضب الذي يزداد في أوساط المسيحيين، ولعل زيادة أعداد المظاهرات وانتشارها من مكان لمكان يؤدي إلى إدراك كل مسلم لخطورة الموقف فهذا الوطن وطننا جميعًا، ولا يمكن شطب أحد فيه، وكما عاش المسلمون والمسيحيون لقرون عديدة، وبقيت المسيحية في مصر التي بها أقدم كنائس العالم، فلا يمكن أن يتصور البعض بتطرف، أو غلو، أو فساد في الرأي والفكر إمكانية إلغاء وجود المسيحيين في مصر والشرق، أو تهميشهم أو معاملتهم بطريقة منافية لجوهر التعاليم الإسلامية التي عاشوا في ظلها وشاركوا مع المسلمين في صنع حضارتهم التي نفخر بها جميعًا.

إذا فهم مسلم ما أن التزامه الديني بالإسلام يقوده إلى مقاطعة جاره المسيحي وعدم إلقاء التحية عليه، أو مبادرته بها، وعدم تهنئته في العيد، أو عدم مواساته عند الأحزان أو زيارته كالمعتاد فإن هذا الفهم يجب أن يصحح من كل التيارات الإسلامية وعلى الأزهر أن يقود حملة لتصحيح المفاهيم الخاطئة التي تسربت إلى قطاعات عريضة من الملتزمين دينيًّا خاصة مع انتشار ما يسمى بالفكر السلفي الذي يعمق مثل تلك المفاهيم الحياتية، وعلى الأخوة السلفيين أن يعيدوا النظر في تلك الفتاوى، وأن يدركوا حجم الخطر الذي يترتب على ذيوعها، ومن الحكمة النظر في المآلات التي أدّت إليها تلك الآراء.

على كل العاملين للإسلام أن يدركوا أهمية احتضان الإسلام للمسيحيين ولليهود غير المحاربين وأن الغرب اللا ديني الذي احتقر المسيحيين وهمشهم في الحياة العامة، واضطهد اليهود وأنشأ لهم دولة على حساب المسلمين في فلسطين ليحولها إلى دولة دينية يريد خلق نزاعات دينية في بلادنا التي عرفت التسامح الديني على مر القرون، بسبب أن الإسلام يقر بوضوح ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ (البقرة: من الآية 285)، ويقر بعلانية وشفافية ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46)﴾ (العنكبوت).

ويجب أن يبدأ الإخوان المسلمون كأفراد وأسر وشعب في العمل وفق خطتهم المعهودة في حسن العلاقة والجوار والبر والقسط والإحسان الذي أمر الله به في كتابه العزيز ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)﴾ (الممتحنة).

وأن يسترجعوا تاريخًا ناصعًا لمرشدهم المؤسس ولجماعتهم أثناء فترتها الأولى قبل كابوس الاستبداد في علاقة جمعت الجميع على البر والعدل والمساواة، وكيف كان القسس يحضرون دروس الإخوان وكيف كان الإخوان يشاركون المسيحيين في كل ما يهمهم من شأن، وكيف أعلن المرشد الراحل عمر التلمساني رحمه الله عند خروجه من السجن بعد اغتيال السادات أن يطالب بإعادة البابا إلى موقعه فورًا بعد أن عزله السادات.

هذا تاريخ يجب أن نعيد وقائعه من جديد في علاقة تبدأ بزملاء العمل والجيران من المسيحيين، بتحيتهم ومواساتهم والوقوف بجوارهم في شئونهم الخاصة وتفهم حاجاتهم العامة واستيعاب أي موقف ملتبس من أحدهم والجدال بالحسنى كما أمر الله والبعد عن المزالق التي يمكن أن تؤدي إلى التوتر والانفعال.

أما النخبة الفكرية والسياسية فعليها أن تدرك أن ركوب موجة الطائفية لن يفيد أحدًا وسيضر بالوطن جميعًا، وأن استعداء الجموع المسلمة في مصر والتي ازداد إيمانها بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية، ويزداد عدد الملتزمين منهم بشعائر الإسلام ولو شكليًّا سيكون بمثابة الكارثة لأن ردود فعل هؤلاء ستكون، في ظل غياب الحريات وانسداد القنوات والتضييق على التيار الإسلامي المعتدل الوسطى، والحرب على الدعاة المعتدلين لن يتوقعها أحد، وسيحولون بخطابهم الاستفزازي المتدينين المسلمين إلى التطرف أكثر وأكثر، وفي نفس الوقت لن يستطيعوا كبح جماح التطرف المسيحي الآخر الذي لا يملكون إزاءه إلا السكوت.

الإسلام بريء من كل متطرف يذكي نار الفتنة، والإسلام بريء من كل مجرم يعتدي على الدماء والأموال والأعراض المسيحية والمسلمة، والإسلام احتضن المسيحيين على مدار 1400 سنة، وهو قادر على احتضان كل المخالفين له في الدين والرأي إلى آخر الزمان.

المجتمع المصري بات هشًّا ضعيفًا بسبب غياب الحريات العامة، وخفوت الأمل في المستقبل، والاستبداد والفساد، وضعف النخب وانقساماتها، وعلى الجميع إدراك حجم الكارثة التي يمكن أن تحدث في المستقبل، والقيام بواجبهم لمنعها وإلا فإن الله سبحانه سيحاسب الجميع على تقصيرهم، وها نحن نرى الآن ما يحدث حولنا في حوارنا في اليمن والسودان، ومن قبله الصومال ولبنان، ثم الجزائر وتونس، وما العراق وأفغانستان عنا ببعيد.

فلنقف جميعًا ضد محاولات زرع الفتنة في بلادنا، بحكمة واعتدال وصبر وجلد، ولنحمي بلدنا جميعًا من مصير مجهول لا يعلمه إلا الله.

على جموع الإخوان أن يدركوا أن المشروع الإسلامي لن يتحقق إلا إذا استوعب كل من عاش في ظل الحضارة الإسلامية على مر القرون، وأن الإسلام في عصوره الزاهية التي نريد استعادتها عرف التنوع الديني العرقي والإثني ولكل مساهمته في بناء تلك الحضارة ولم يعرف طوال تاريخه ما يُسمى بالنقاء العرقي أو الوحدة الدينية بمعنى طرد المختلفين دينيًّا من رحاب الأمة، وأن الأمة الإسلامية احتضنت الجميع بسماحة ومساواة في الحقوق والواجبات، وأن الفرقة بين المتدينين زرعها الاحتلال ونجح أحيانًا وفشل كثيرًا.

———-

* عضو مكتب الإرشاد