الأحد , 19 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

أنا فهمتكم.. أخيرًا!!

بقلم: أ.د. عبد الرحمن البر

أنا فهمتكم، أي نعم فهمتكم! هكذا نطق الديكتاتور زين العابدين بعد أن بدا له أن السباحة عكس التيار لم تعد ممكنةً، وبعد أن رأى أن تحقير الشعب واتهام ما أسماها (القلة المندسة) بين صفوفه والتخويف بوصف الثوار بالإرهاب، كل ذلك قد صار من الماضي الذي لا يجد آذانًا تصغي إليه.

عاد الرجل بعد عشرات السنين من قهر الناس وتسليط الزبانية على الشعب وإفقاره وإهانة كرامته يعتذر لشعبه أنه كان طوال تلك السنين غبيًّا لم يفهم شعبه، وأن رجاله قد خدعوه وكذبوا عليه وأوهموه أن الشعب يُسبِّح بحمد جلاديه ويترنم بشكر سجانيه، وأنه الآن قد أفاق من السكرة، وفهم وأدرك أن كرامة شعبه يجب أن تحترم، وتوعَّد بمحاسبة الذين خدعوه!.

ياه! ما أغبى أولئك المستبدين، وما أبطأ فهمهم وإدراكهم! كان الله في عون الشعوب التي يتسلَّط عليها ويقوم على رأسها قليلو الفهم، الذين لا يفهمون إلا في الوقت الضائع!

ترى كم في المتسلطين على الأمة من هذا الصنف المتغابي الذي يريد خداعنا بأنه مخدوع وبأن الحقائق لم توضع أمامه، وبأنه (يا ولداه!) بريء براءة الأطفال مما يرتكبه الظلمة الصغار الذين اختارهم على عينه وبوَّأهم دماء الشعب وأمواله وثرواته، فطغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد، أما هو فكان آخر مَن يعلم!!

هل يُدرك السادة الذين يتحكَّمون في بلادنا ورقابنا ومستقبل شعوبنا أن الحاكم الذكي هو الذي يربط نفسه بشعبه ومستقبله بمستقبل أمته، فيحبهم ويحبونه، ولا يحتاج إلى تلك الجيوش الضخمة من الأجهزة الأمنية لحماية كرسيه ونظامه وعائلته.

هل رأى السادة المتحكمون في ثروات أمتنا ماذا فعل الرئيس البرازيلي السابق لولا دا سيلفا حين عبر بشعبه وأمته من السقوط الاقتصادي إلى القمة في سنواتٍ معدودات، فاستحقَّ من شعبه الحب والتقدير، وأصرَّ الرجل على مغادرة موقعه وهو يحتفظ بهذا الرصيد الهائل من الحب، بل أجمع الشعب على اختياره لخليفته ثقةً في سداد رأيه وتحريه الخير لأمته؟

ولماذا نذهب غربًا، وتاريخنا مليء بنماذج عظيمة من الحكام الذين كانوا سريعي الفهم لشعوبهم شديدي الحرص على استجلاب رضاهم، فهذا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، لا يسمع بحديثٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحكم الرشيد إلا سارع لتنفيذه، فقد أخرج أبو داود بسندٍ صحيح أن أَبَا مَرْيَمَ الأَزْدِيَّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: مَا أَنْعَمَنَا بِكَ أَبَا فُلاَنٍ. وَهِيَ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ، فَقُلْتُ: حَدِيثًا سَمِعْتُهُ أُخْبِرُكَ بِهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: “مَنْ وَلاَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمُ احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ”. قَالَ: فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ رَجُلاً عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ.

وأخرج أبو داود أيضًا أن معاوية- رضي الله عنه- قال: سمعتُ من رسول الله صلي الله عليه وسلم كلاماً نفعني الله به، سمعته يقول: “أعرضوا عن الناس، ألم تَرَ أنك إذا اتبعتَ الريبةَ في الناس أفسدتهم، أو كِدْتََ أن تفسدهم”. فقال أبو الدرداء رضي الله عنه: كلمة سمعها معاوية من رسول الله صلي الله عليه وسلم نفعه الله تعالى بها.

وكان يقول: إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت أبدًا. فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: كنت إذا مدوها أرخيتها، وإذا أرخوها مددتها.

وخطب سعيد بن سويد بحمص، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إن للإسلام حائطًا منيعًا وبابًا وثيقًا، فحائط الإسلام الحق وبابه العدل، ولا يزال الإسلام منيعًا ما اشتدَّ السلطان، وليست شدة السلطان قتلاً بالسيف ولا ضربًا بالسوط، ولكن قضاءً بالحق وأخذًا بالعدل.

فهل يعي السادة القابعون في قصور الحكم هذه المعاني فيبادروا بفهمها مبكرًا قبل أن تأتي الطامة فلا يكون لفهمهم معنى ولا قيمة؟ الله المستعان.

————-

* أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر وعضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*