الأربعاء , 22 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

الدرس التونسي … بقلم: د. عصام العريان

ما زالت الأحداث تتوالى في تونس يومًا بعد يوم، وما زال الشعب هو صانع الأحداث، ويد الله تُحرِّك الجماهير، والمشهد اليوم يُعبِّر عن حالة “عدم الاستعداد لما بعد الانتفاضة” والخوف من “سرقة ثورة الشعب”، والخشية من إزاحة طاغية دون تغيير كبير في النظام نفسه والسياسات التي كان يتبعها.

دروس الثورة التونسية كثيرة ومتعددة، والعبرة بها لأولي الأبصار واسعة وممتدة، ولنا في آيات القرآن العظيم التي تُبيِّن سنن الله في المجتمعات، وفعل الله في الظالمين النور الهادي إلى سواء السبيل.

يقول الله تعالى: ﴿وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر: من الآية 43)، ويقول تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣)﴾ (الأنعام).

ويقول تعالى: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) (النمل)، ويقول تعالى: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢)﴾ (الفيل).. سنن لا تتبدل ولا تتغير ولا تتحول: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّـهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّـهِ تَحْوِيلاً (٤٣)﴾ (فاطر).

الدروس لا تنقطع وقد سالت أنهار كثيرة من الحبر، وقرأنا صُحفًا عديدةً من التحليلات، واستمعنا إلى حوارات متواصلة حول الأحداث والثورة، وصدقت توقعات وخابت أمنيات، وما زالت جعبة القدر تُفاجئنا بالكثير، وهذه الدروس واضحة للعيان أمام كل الأطراف الفاعلة أو المراقبة.

الشعوب لها دروس، والحكام لهم دروس، والنخب الفكرية والثقافية لها دروس، والأحزاب والحركات السياسية لها دروس، والحركة الإسلامية أيضًا لها دروس.

الشعوب عليها أن تتحرك دفاعًا عن حريتها وكرامتها وحقوقها، وليس طلبًا- فقط- لحاجة البطون ولستر العورات، وعليها ألا تنتظر مَن يقودها طويلاً، وعليها ألا تخشى القبضة الأمنية الباطشة ولا الجيوش التي تتترس بها النظم الحاكمة.

وعلى الحكام أن يدركوا أن الاستقرار الظاهري دون أسس حقيقية وهم كبير، وأن التقارير التي ترفعها الجهات المحيطة بهم لا تُعبِّر إلا عن أمنياتهم هم بعيدًا عن الواقع الذي لم يعد خافيًا على أحد، وأن القوى الخارجية التي يعتمدون عليها لن تغني عنهم شيئًا أمام غضب الجماهير الثائرة، حتى الجيوش والقوات البوليسية التي ينفقون عليها المليارات لن تجد شيئًا أمام حركة الشعوب والسبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار والأمن للجميع هو الإصلاح الجاد والحقيقي والتغيير الشامل في إستراتيجيات الحكم والتعبير الصحيح عن هوية الأمة ومصالحها ضد الهيمنة الخارجية والنهب الداخلي والفساد المستشري، والطريق الوحيد لتحقيق ذلك هو إطلاق الحريات العامة لتداول سلمي للسلطة، لا يقصي أحدًا، ولا يمنع قوة شعبية من الحق في التنظيم والتعبير؛ وذلك عبر انتخابات حرَّة وسليمة بضمانات حقيقية.

أما النخب العربية فقد كشفتها أحداث الثورة التونسية، فقد مارست أكبر عملية خداع للشعوب التي اكتشفت ذلك بعد ربع قرن من الزمان، وأصبحت في وادٍ والناس في وادٍ آخر، نخب متغربة متصهينة متأمركة لا تُعبِّر عن هوية الأمة ولا عن مصالحها، تدَّعي العلم والمعرفة وتمارس الخداع والكذب.

الدرس التونسي للحركات السياسية وبالذات للحركة الإسلامية بالغ الأهمية، فهي الأقرب إلى الناس، وهي التي عمل النظام التونسي- وقلَّده معظم النظم العربية بدرجات متفاوتة- على إقصائها وتهميشها وعزلها ونفيها وتشريدها أو سجنها لمدد متطاولة، وهي التي ما زال بعض أركان النظام السابق وأبواقه الإعلامية في العالم العربي تمارس تضليلاً واسع النطاق للتخويف منها والتحذير من إطلاق حريتها.

أول ملامح ذلك الدرس هو أن النصر مع الصبر، وأن مع العسر يسرًا، وأن رحمة الله قريب من المحسنين.

فقد جاء الفرج لحركة النهضة ولكل الإسلاميين التونسيين من حيث لا يحتسبون بعد معاناةٍ طويلةٍ لربع قرن من الزمان.

خرج المعتقلون من السجون، وسيعود المنفيون المشردون في الأرض إلى ديارهم، وسيحصلون إن شاء الله على حقهم في التنظيم والتعبير والحركة والنشاط، وسيقبل عليهم الناس بنظرتهم السليمة ووعيهم العظيم.

عليهم أن يتأسوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا ينتقموا لأنفسهم قط، ولا يشمتوا في أحد، وأن يغلّبوا المصالح العليا للبلاد والعباد فوق أية مصالح خاصة، شخصية أو حركية، وأن يمدوا أيديهم إلى الجميع- وفق قواعد عامة- للعمل من أجل تحقيق أمال التونسيين:

– للانتقال من حال الاستبداد إلى حال الحرية.

– والعمل على قطع الطريق على كل العابثين الذين يريدون إشاعة الفوضى في البلاد لمنع الشعب التونسي من قطف ثمار ثورته، ولتخويف الشعوب العربية من الاقتداء بحركة الشعب التونسي العظيمة.

– ولرسم سياسة جديدة لتونس تعيد إليها هويتها العروبية الإسلامية الوسطية المعتدلة، مع مشاركة كل القوى الفاعلة، متجاوزين كل الخلافات الإيديولوجية أو الفكرية.

– ولتقديم نموذج تونس جديد يلهب مشاعر العرب والمسلمين من أجل إحداث التغيير المنشود، نموذج يحقق الكرامة والعدل، والتنمية مع الديمقراطية، والبناء مع الهدم، والاعتزاز بالهوية الحضارية مع التواصل مع العالم أجمع، والاستقلال مع التعاون الدولي.

لستُ هنا في معرض الموجِّه أو المنظِّر لإخواننا الصامدين في تونس وخارجها، ولكنه واجب النصيحة من مسلم يحب إخوانه ويأمل في الخير لهم ولبلدهم، وهم أدرى مني ببلدهم وحاجاتهم، هي آمال وعبر تصلح للإسلاميين في كل مكان.

على إخواننا الأحباب أن يستفيدوا من تجارب الآخرين ومراجعاتهم، خاصةً في البلاد التي قادها إسلاميون أو شاركوا في حكمها.

أما الإسلاميون خارج تونس فلهم دروس وعبر وعظات كثيرة..

– علينا أن نهتم أكثر وأكثر بالناس والشعوب، بهمومهم ومشاكلهم، بآمالهم وأمنياتهم، وأن تحسن التعبير عنهم وحمل مطالبهم.

– علينا أن نُعطي القدر الأكبر من وقتنا وجهدنا للنشاط وسط الناس، في مساجدنا وفي شوارعنا، في مساكننا، وفي أماكن عملنا، في معاهدنا وجامعاتنا كما في مصانعنا وحقولنا.. في كل مكان.

– علينا أن نُدرك أن محاضن التربية التي تعتمدها الحركة الإسلامية إنما جُعلت للإعداد للنشاط العام وسط الناس، وإذا لم تؤدِ ذلك الدور فيجب مراجعة ما ننشغل به فيها، من مناهج ونقاش، وحوار وخطط.

– في نشاطنا مع الشعوب والجماهير، يجب أن نحوِّل التدين الفطري البسيط إلى تدين فعَّال نشيط، يجب أن نغرس القيم الإيجابية في نفوس الناس بديلاً عن القيم السلبية، يجب أن نُعلِّم الناس ونقودها بالقدوة الحسنة للتصدي للظلم والفساد والاستبداد، وأن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، وأن الأجل والرزق بيد الله تعالى.

– علينا أن نُحيّي في نفوس الشعوب طاقة الإيمان الجبَّارة، وأن نقوي صلتهم بالله الواحد القهَّار، وأن نُعلِّمهم أن الإسلام جعل العبادات والطقوس لهدفٍ نبيلٍ هو إيجاد قيم العدل والقسط ومقاومة الظلم والدفاع عن الكرامة الإنسانية والمساواة بين الناس والحرية للإنسان الذي لا يسجد إلا لله وحده ولا يُطأطئ رأسه خنوعًا لمخلوق مهما كان.. “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!”.

– على شبابنا الإسلاميين أن يوظفوا معارفهم التكنولوجية لحفز همم الناس والشباب لحمل أمانة التغيير والإصلاح، وليس لمجرد ممارسة الطقوس والشكليات، أو الجدال المتواصل حول قضايا يتجادل حولها المسلمون طوال ألف عامٍ أو يزيد.

– علينا- نحن معشر الإسلاميين- بكل جماعاتنا وحركاتنا ألا نتخلف عن حركة الناس وسعيها نحو التغيير، لكي نضبط البوصلة نحو الله تعالى ابتغاءَ مرضاته، ولكي يعبِّر الناس عن آمالهم الحقيقية في إطار هويتهم الإسلامية وانبثاقًا من عقيدتهم التوحيدية، ولكي يشاركون في حفظ حركة الشعوب التي لا يجب أن يسرقها لصوص الثورات ومشاغبي الشوارع وبقايا النظم الاستبدادية، وأن نقطف مع الجميع ثمار الثورات في التغيير المنتظر، فلن يقعد أحدٌ في بيته ثم يطالب بعد ذلك بنصيبٍ من جني الثمار، السياسة الحقيقية هي الوجود الفعلي وسط الشعب وليس مجرد الانتخابات أو التنافس على السلطة.

– علينا أن نشارك الجميع- وفق القواسم المشتركة- من أجل تحقيق المصالح العليا للبلاد، ومن أجل إنقاذ العباد من الظلم والفساد والاستبداد، مع احتفاظنا بهويتنا وبرنامجنا؛ وذلك استعدادٌ فيما بعد، في مرحلة لاحقة للتنافس الشريف في نظامٍ حرٍّ ديمقراطي يسعى فيه الجميع على ثقة الناس.

– علينا أن نستعد مع الجميع لمرحلة انتقالية آتية لا ريبَ فيها بعد أن تنجلي ظلمات الاستبداد والفساد والظلم والطغيان التي رانت على بلادنا العربية والإسلامية، نتنفس فيها معًا نسيم الحرية والكرامة والعدل للجميع، مرحلة إذا أحسنا العمل من أجلها فستكون قصيرة ولا يطول بنا وبالناس الانتظار.

الدرس التونسي عظيم، وهي أولى ثورات القرن العشرين الميلادي، ستغيِّر في الغالب إذا أتمها الله بنجاح موازين القوى في المنطقة، وسيثبت للجميع أن العرب والمسلمين قادرون دومًا رغم كل الضغوط على صنع التاريخ، وبناء المستقبل وغرس الآمال للأجيال في الثقة بالله القادر على كل شيء.

﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11)، ﴿قُلِ اللَّـهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ﴾ (آل عمران: من الآية 26).

———–

* عضو مكتب الإرشاد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*